بدأ عمق الهوة الروسية ــــ الإسرائيلية إزاء الساحة السورية يتكشّف تباعاً. من أزمة عابرة كما وصفها الإعلام العبري، ابتداء في أعقاب إسقاط الطائرة الروسية الشهر الماضي، إلى أزمة مستعصية على الحل، مع اختلاف واسع، يشير إلى صدع بين الجانبين. أما الشروط الروسية لاستئناف الهجمات الجوية الإسرائيلية في سوريا، فتكاد تكون تعجيزية وبما لا يمكن لإسرائيل أن تتعايش معها.

ورغم تقلص المقاربة الرسمية الإسرائيلية وتجنّب التصريحات مع تركيز مقابل على «وجود اتصالات غير علنية» بين الجانبين لحل الخلافات، إلا أن التسريبات حول صعوبة إيجاد الحلول بدأت تظهر في الإعلام العبري، وإن صاحبها نكران رسمي، والتشديد على أن إسرائيل لا ترضى بأي تقييد لهامش مناوراتها العسكرية في سوريا، مهما كانت الأسباب والجهات التي تقف خلفها!
الواضح من التسريبات، أن المواقف متعارضة إلى الحد الذي بات معه الحل، إن وجد، محصوراً في لقاء يتعذر تحديد موعده بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو. لقاء لا يبدو أنه يحوز حتى الآن، موافقة ورضى روسيين، مع امتناع بوتين عن تحديد موعد اللقاء، رغم مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على الطلب الإسرائيلي، بل والإعلان عنه على لسان نتنياهو نفسه، علماً بأن المهلة الروسية لتحديد مواعيد اللقاءات التي جرت في السابق بين الجانبين، لم تتجاوز الساعات المعدودة.
في التسريبات، ذكرت القناة العاشرة العبرية أن «حرية تصرف» إسرائيل في سوريا تغيّرت، وباتت محكومة بقواعد اشتباك جديدة ترفضها تل أبيب بشكل قاطع. بحسب تقرير القناة: «وضعت روسيا شروطاً جديدة تحد من هامش مناورة إسرائيل داخل الأراضي السورية، وموسكو تطلب حالياً أن تبلغ مسبقاً عن أي استهداف عسكري إسرائيلي في سوريا قبل وقت طويل، وأطول مما كان متفقاً عليه بين الجانبين قبل سقوط الطائرة الروسية». ويضيف التقرير إن الوقت الذي يجب أن يفصل بين إبلاغ الجانب الروسي بتوجيه ضربة عسكرية وبين تنفيذ هذه الضربة، هو مدة طويلة جداً، وبذاتها تشكّل تهديداً فعلياً على المقاتلات الإسرائيلية، وتمنح القوات الإيرانية وقتاً لتجنب الضربات، بما ينهي فاعليتها وتأثيرها.
مصدر سياسي إسرائيلي رفيع المستوى، أكد للقناة أن الشرط العملاني المطلوب روسيّاً، يقلّص كثيراً حرية عمل الجيش وسلاح الجو، وهو شرط لا يمكن لإسرائيل التعايش معه وقد يكون من الممنوع عليها القبول به، لافتاً إلى أن «هذا هو السبب الذي دفع إسرائيل إلى الامتناع عن شن هجمات تثير أصداء في سوريا (عبر سلاح الجو)، منذ أن سقطت الطائرة الروسية الشهر الماضي».
وتقاطع تقرير القناة الإسرائيلية مع تقرير آخر ورد في صحيفة «هآرتس»، أكد أيضاً أن تغييراً طرأ على الموقف الروسي إزاء تقييد حرية العمل في سوريا: «تتخذ روسيا في الأسابيع الأخيرة خطّاً أكثر تشدداً تجاه إسرائيل، في كل ما يتعلق بنشاط سلاح الجو في الساحة الشمالية. وفي عدد من الحالات، شُغّلت رادارات أنظمة الدفاع الجوي الروسية على خلفية نشاط سلاح الجو في الشمال». تضيف الصحيفة «قد لا تنهي الخطوات الروسية عهد الهجمات الإسرائيلية في سوريا، لكن مع مرور أكثر من شهر على حادثة إسقاط الطائرة الروسية (إيل 20)، من الواضح أن شيئاً ما جوهرياً تغيّر في صورة الوضع، وباتت إسرائيل بحاجة الى خطوات سياسية وعسكرية كي تحتفظ بجزء من حرية العمل التي كانت لديها في سوريا، قبل إسقاط الطائرة».
تسريب القناة وتأكيدات المصدر السياسي الرفيع، وكذلك تقرير «هآرتس»، دفعت وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، إلى التعليق من موقع دفاعي، رافضاً قبول أي شرط مسبق يحول دون حرية العمل في سوريا، رغم إقراره بأن هذه الحرية «نسبية»، مع تحاشٍ في الإشارة إلى الجانب الروسي. قال ليبرمان في حديث إلى الإذاعة العسكرية أمس: «لن نقبل بأي تقييد لحرية العمل (في سوريا)، وعندما تتعلق الأمور بأمن إسرائيل القومي سنتصرف دائماً. لسنا مسؤولين عن تقارير تصدر هنا وهناك، وإنما عن العمل الفعلي. إسرائيل تعمل أيضاً في الشمال وفي الجنوب، ولن نسمح بالإضرار بمصالحنا الأمنية. يجب العمل والتصرف. حرية العمل هي أمر نسبي، ولن نقبل قيوداً، كل ما نريده سنفعله».
قد يكون ليبرمان أكد في معرض النفي، صحة ما ورد في القناة الإسرائيلية و«هآرتس»، وخاصة أنه يتساوق من ناحية عملية مع حقيقة امتناع سلاح الجو عن شن هجمات، لأكثر من ثلاثين يوماً، رغم حاجة إسرائيل الأمنية الى تفعيل هذه الهجمات. امتناع يرجح فرضية القناة العاشرة العبرية، بأنّ العلاقات الروسية الإسرائيلية تعاني صدعاً يتعمق بين الجانبين في الساحة السورية.
من جهته، أكد عضو المجلس الوزاري المصغر، الوزير يوآف غالنت، أن إسرائيل تواجه في الجبهة الشمالية (سوريا ولبنان) التهديد الأخطر عليها منذ قيامها (عام 1948)، لافتاً إلى ضرورة العمل على منع استنساخ التهديد في الساحة اللبنانية إلى الساحة السورية. ورغم عرض غالنت «الضرورات والواجبات» التي يراها ملقاة على القيادة الإسرائيلية، وهي تكرار لمواقف سبق وعُرضت في تل أبيب، إلا أن الأهم في حديثه هو التأكيد على التأزم مع الجانب الروسي، وإن جاءت فذلكة إقرار التأزم بصيغ بلاغية. أضاف غالنت: «هذا كل ما يمكنني قوله حول الموضوع، ولنتذكر أننا في واقع معقد، فنحن لا نعتبر الروس أعداء أو منافسين، لكن من الواضح أنهم يتعاملون مع إسرائيل باعتبارها حليفاً للولايات المتحدة. ولهذا علينا أن لا نوقظ الدببة من سباتها».