القاهرة | يواصل الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، التودد إلى النظام السوداني ورئيسه عمر البشير بصورة لم تكن مألوفة في العلاقة بين القاهرة والخرطوم في المراحل السابقة. توددٌ مرتبط بسعي السيسي إلى احتواء البشير وضمان منع تصعيد الخلافات المكتومة بين البلدين حتى لا تؤثر في ملفات عدة أهمها الدور السوداني في مسألة «سد النهضة»، بجانب التقارب التركي - السوداني الذي أثار مخاوف القاهرة في وقت سابق. وعلى رغم تأكيد الرئاسة المصرية، إبان زيارة السيسي السابقة إلى السودان في تموز/ يوليو الماضي، أنها تأتي لتوطيد العلاقات، فإن زيارة أمس التي استمرت ساعات محدودة لم تكن سوى زيارة احتفالية بعدما سبقه وفد وزاري على مدار يومين لإنهاء البنود المتعلقة بعدد من اتفاقات التعاون المشترك التي تمنح القاهرة فيها الخرطوم امتيازات وتسهيلات، كما تفتح الباب لتعاون مشترك وسط سعي مصري لاستمرار التهدئة الإعلامية خصوصاً في ما يتعلق بمثلث حلايب وشلاتين، الذي يقول البشير إنه يخضع للاحتلال المصري.

طُرحت ملفات كثيرة، لكن الأهم كان في الوفد المرافق للسيسي الذي ضم رئيس ديوان رئيس الجمهورية، اللواء مصطفى شريف، ورئيس «المخابرات العامة»، اللواء عباس كامل، بالإضافة إلى مدير مكتب الرئيس، اللواء محسن عبد النبي، الذي ظهر واضحاً في كواليس الزيارة، لكنْ تراجع نفوذه بشدة خلال الاجتماعات التحضيرية وإبداء الآراء في الاتفاقات التي تقرّ. فبخلاف الاتفاقات المعلنة، كانت هناك أكثر من قضية نوقشت بين الوزراء المصريين ونظرائهم السودانيين، في مقدمها أوضاع العمالة في البلدين، ومشروعات الربط الكهربائي، بالإضافة إلى ربط السكة الحديدية المُعلن أخيراً. وستُجرى دراسات ومناقشات مستفيضة حول هذا الأمر خلال الأسابيع المقبلة تشارك فيها جهات أمنية من الطرفين، خصوصاً أنها خطوة يتوقع أن تساهم في زيادة الحركة بين البلدين كثيراً، كما ستدعم مجالات التعاون التي تعتزم القاهرة زيادتها قريباً.

يظهر تفحّص مضمون الاتفاقات أنها لم تتعدّ العرض الإعلامي بين الرئيسين


هكذا، وقّع السيسي والبشير 12 برنامجاً تنفيذياً وبروتوكولاً في إطار أعمال «الدورة الثانية للجنة الرئاسية المشتركة»، لكن هذا الرقم لا يعبر عما يمكن وصفه اتفاقات حقيقية، فتفاصيل الاتفاقات والبرامج هشة للغاية، ومنها مثلاً تفاهم بين المركزين الدبلوماسيين التابعين لوزارتي الخارجية، واتفاقات لتبادل الخبرات وبرتوكولات لإنشاء مزارع، بالإضافة إلى مذكرة تفاهم من أجل مكافحة دودة الحشد الخريفية! لذلك، لم تتخطّ هذه الاتفاقات حاجز الاستعراض الإعلامي، فحتى في الاتفاقات الإعلامية تم توقيع برنامج تنفيذي بين مسؤولي الإعلام في البلدين وبرنامج في مجال الشباب والرياضة ومثلها في قطاعات أخرى من دون تحديد آليات للتنفيذ، فضلاً عن أن الاتفاقات لم تشمل المجالات التي يفترض أنها الأهم حالياً، ومنها مثلاً المنطقة الصناعية المصرية في السودان والشركة المصرية السودانية للتكامل الزراعي وكذلك مشروع اللحوم، وهي القضايا التي لم تحسم فيها المناقشات. وتوجد أيضاً قضية «سد النهضة» التي لم يجر التطرق إليها مطلقاً في التصريحات العلنية.
وفي المؤتمر المشترك بين الرئيسين، قال السيسي إن الأشهر الستة الماضية شهدت انعقاد عدد من الاجتماعات واللجان المشتركة على مختلف المستويات، هي: الاجتماع الرباعي، واجتماع آلية التشاور السياسي، والهيئة الفنية الدائمة لمياه النيل، ولجنة المنافذ البرية، واللجنة القنصلية، بالإضافة إلى لجنة القوى العاملة، مضيفاً: «أنا على ثقة أن الفترة المقبلة ستشهد مزيداً من العمل للبناء المشترك على ما تحقق في إطار تنفيذ وثيقة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الموقعة عام 2016». وتابع أنها «كلها خطوات تفتح آفاقاً أرحب أمام الارتقاء بعلاقاتنا الثنائية»، مؤكداً دعم القاهرة لجهود البشير في «تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي... التي أسفرت عن توقيع جنوب السودان على اتفاق لتسوية النزاع».
أما البشير، فقال إن المهمة الأساسية في الوقت الحالي هي إزالة العوائق في حركة السلع والمواطنين بين البلدين، مشيراً إلى أن الربط تم بوسائل مختلفة، «والآن الربط الكهربائي إن شاء الله على وشك الحدوث، كما يجري التخطيط لربط سكك حديد مصر والسودان لتيسير حركة المواطنين والسلع».