القاهرة | قد يمكننا وصف اللحظة الحالية التي تمر بها مصر، كما كشفت عنها الأحداث الأخيرة المتوالية، من الاستفتاء على الدستور في منتصف كانون الحالي حتى الذكرى الثالثة للثورة في 25 منه، وما تخللهما من عنف وتظاهرات وتفجيرات، بأنها لحظة تأسيسية للنظام الجديد في مصر، وهو نظام الدولة القديمة العائدة بقوة والعازمة على سحق المعارضات المنظمة، ليلوح في أفق مستقبل السياسة المصرية تحالف أمني عسكري بيروقراطي لا يوجد ما يضمن بقاءه.


إن ما شهدته ذكرى الثورة من احتفالات شعبية صاخبة رافقها قتل واعتداء وقمع، خير شاهد على ما وصلت إليه الحالة من عبثية باعثة على التشكيك في نجاح أي نظام قادم على ركام ما يحدث في مصر منذ ثلاث سنوات.
وعلى الرغم من قدرتها على الاستمرار ومواجهة النظام الحالي بسلاح التظاهر، تواجه جماعة الإخوان المسلمين لحظة يتضح فيها أن هذا السلاح غير قادر فعليّاً على الدفع نحو تحقيق مطالبها في عودة «الشرعية» والرئيس المعزول محمد مرسي و«دحر الانقلاب». فشلت الجماعة منذ أحداث رابعة (آب 2013) في أن تعيد بناء الثقة في مشروعها الذي لم يكن موجوداً أصلاً، فظل خطابها أسير رغبتها في العودة مرة أخرى إلى السلطة. الأخطر من هذا أن تعميق الجماعة لوضع مظلوميتها، وهو رأس مالها التاريخي الأكبر على امتداد عملها، جعلها في حالة من العداء مع محيطها الاجتماعي؛ فجموع المصريين بنظر الجماعة مدانة بتأييدها أو تغافلها عن «مذبحة» رابعة أو القمع الذي حدث بعدها. ورغم تعاطف البعض مع الجماعة بسبب القمع الذي واجهته، فإن هذا التعاطف لم ينعكس في حجم التأييد لمطالبها. وقد ينبئنا فشل التحالف الذي حاولت الجماعة تشكيله أخيراً مع حركات ثورية يسارية مثل «السادس من أبريل» بالأزمة العميقة التي تعيشها الجماعة؛ ففيما أصرت الحركة على خطاب وطني ثوري جامع، أصر خطاب الجماعة على سيناريو العودة المرتقبة لما يسمى الشرعية. ورغم نجاح الجماعة في إحداث اضطرابات في الجامعات، فإن هذا النجاح لم يؤسس لحركة طلابية أوسع، وربما أثار غضب طلاب الجامعة أكثر من أنه انصب في تحقيق أي مطالب على أي مستوى.
عقب تفجيرات المنصورة، أسرعت الحكومة المصرية في إعلان جماعة الإخوان تنظيماً إرهابياً، وهو الوصف الواصم الذي نجح الإعلام المتحالف مع النظام في تأكيده منذ سقوط الجماعة، من خلال تركيزه على الروابط بين الجماعة والجماعات المسلحة وخطاب بعض القيادات والقواعد الذي لا يخلو من الطائفية والتهديد والتكفير لقطاعات من المجتمع.
تنفي الجماعة مسؤولياتها عن أي عمليات إرهابية تستهدف مؤسسات الأمن أو الجيش، في ظل استحالة الجزم بالصلة بين «الإخوان» والجماعات الإرهابية. ومع ذلك، ترى الجماعة في هذه العمليات وسيلة ضغط على النظام القائم، وترى أن استمرارها في أنحاء مختلفة من البلاد دليل دامغ على فشله في مواجهتها، وربما عقاب لـ«انقلابه على الشرعية».
الأخطر من هذا أن سلمية التظاهر الإخواني تشوبها دائماً نوبات عنف واستفزاز يراه البعض استدعاءً للحظات استشهادية وربما كربلائية لها جذورها العميقة في ثقافة القواعد الإخوانية التي ترى الوضع على أنه صراع بين حق وباطل أو إسلام وكفر. وبالنتيجة، لم تفلح ازدواجية الخطاب الإخواني الممتدة عبر عقود في أن تنقذ الجماعة من وصمة الإرهاب والعنف.
في لحظة نادرة من تاريخ مصر، يحدث القمع للمعارضين بوجود ظهير شعبي واسع ومؤيد للقمع؛ هنا يبرز دور الإعلام في رواية «الإخوان» و«الثوار»، باعتباره المحرك الأساسي للكراهية والاحتراب الأهلي، هو دور تراه الجماعة امتداداً لدور هذه الآلة في إسقاطها وعزل مرسي، غير أن الجماعة لها أيضاً أدواتها الإعلامية المضادة. الحركات الثورية الشبابية، بدورها، لا تدرك أو لا تريد أن تفهم طبيعة شبكة المصالح المعقدة في المجتمع؛ فهذه الشبكة تقع على النقيض من برنامجها الذي يدور حول الثورة ومطالبها وثقافة الاحتجاج وربما الحالة الاحتجاجية نفسها. لقد أوقعها هذا الفهم في عزلة عن المجتمع الذي تدعي تمثيله، وأصبحت الثورة «مهنة» لدى كثيرٍ من المنتسبين إليها. ورغم إصرارها وتحركها الدائم في اتجاه تحقيق مطالب الثورة، فقد فشلت في القيام بمراجعة لأخطائها المتكررة، ولم تستطع أن تبني برنامجاً محدد المعالم يعبّر عن ثقافتها ومطالبها الثورية، ووقعت أسيرة رد فعل السلطة بغض النظر عمن يمثلها.
جعلت هذه الحركات «الثورة» مرجعية في حد ذاتها وأيقونة تبرر كل حركة وفعل نبيل رغم وخامة العواقب، والأهم أن هذه المرجعية أسست لحالة من التعالي الثوري على المجتمع، حيث فسّرت أفعاله بأنها تعبير عن «عبوديته» النقيضة لفلسفة الحرية التي تحملها الثورة. تجلت هذه الحالة في وصم جيل الآباء والأجداد الذي مرر دستور 2013، واتُّهم هذا الجيل بقتل ثورة الأبناء، وقد أضفى هذا الخطاب صراع أجيال على المشهد، وهو رغم حضوره لا يعدو إلا أن يكون تعبيراً عن اغتراب وعجز أصاب الثورة وحاملي فكرتها. في ظل حالة الإفلاس الإسلاموي والثوري، انتصرت الدولة القديمة، وهي تحالف مصالح بيروقراطي وأمني في معركته ضد الجماعة وتيارات الثورة؛ لكون هذا التحالف يُشكل الطرف الوحيد الذي يمتلك برنامجاً للسلطة وإدارتها. يدور هذا البرنامج حول الحفاظ على شبكة المصالح الاقتصادية للطوائف المهيمنة على الدولة منذ نظام حسني مبارك.
أبدى «الإخوان» تفهماً لهذه المصالح، غير أنهم فشلوا في التعامل معها وهددوها بسعيهم نحو التمكين، فانقلبت عليهم بل وعزمت على سحقهم. أصبح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي منذ خطوة إطاحة مرسي هو التعبير الأمثل عن هذه الدولة التي يمثِّل الجيش صلبها، وربما هو أهم أداة في يد هذه الدولة، وهنا تُستدعى حالة الزعامة الناصرية بكل ما تمثله وما لها من جذور لدى القطاعات الشعبية من غير «الإخوان» والثوار.
كان إمرار الدستور انتخاباً غير مباشر للسيسي، والآن أُخليت الساحة من أي مناوئ. غير أن هذا الانتصار لا يضمن بقاء هذه السلطة بما تعبر عنه؛ فبرنامج السلطة الحالية لا يستطيع تغافل أن جذور الاضطرابات لم تُعالج، وأن تحقيق العدالة الاجتماعية بما يضمن عدم قيام موجه ثورية أخرى يعني بلا شك التصادم مع شبكة المصالح القائمة، وتعديل سياسة الدولة الاقتصادية والأمنية، وهو ما يضع أي قائد للمرحلة المقبلة أو الحالية بين سندان الدولة القديمة والثورة التي لم تخبُ جذوتها أو تختفِ أسبابها.
سيظل الصراع قائماً في المستقبل المنظور، غير أنه سيكون صراعاً بين أطرافٍ منهكة ومفلسة، وهو ما يستدعي القيام بمراجعة جادة، غير أن مراجعة الجماعة لأخطائها ومواقفها يعني تهديد وجود التنظيم نفسه، وستبقى الدولة على مصالحها وسياساتها مع تعديلات تناسب وجود سلطة جديدة عليها أن تُظهر حسن نياتها للجموع المؤيدة لها. هنا ستكون المراجعة عبء الثوار وحدهم، يستدعي الأمر المكاشفة بخطايا السنوات الثلاث من الثورة، والخروج من حالة العزلة والاغتراب وتنظيم الذات في حركة اجتماعية واسعة وضاغطة على السلطة القائمة، والأهم عدم الالتصاق بالشعارات المستفزة والتصورات المتخيلة عن «الشعب» والذات الثورية المهيضة حاملة الحق في مواجهة الباطل.




الإعلام بين الإنفلات وغياب المهنية

يتسم الخطاب الإعلامي في مصر بالانفلات الشديد وغياب المهنية التقنية، والأهم الأخلاقية. عبر شهور خُلقت حرب تلفزيونية على «الإرهاب»، وخُلق تنظيم دولي للإخوان وصُنعت أكاذيب كبيرة، على الرغم من كونها مادة خصبة لبرامج السخرية المضادة للنظام، غير أنها دليل دامغ على فقر المخيلة. دور الإعلام لا يخفى في حالة الاحتراب الأهلي؛ فهو يزيد من تفتيت النسيج الاجتماعي، غير أن مخزون العنف وتأييد القتل والقمع بحاجة إلى قراءة أكثر عمقاً، وخاصة أن هذه الحالة هي المؤشر على فاشية كامنة سرعان ما تتحول إلى حالة مؤسسة تبرر بها السلطة، أي سلطة، جرائمها وقتلها للفكرة الديموقراطية.
غير أن هذا لا ينفي، وهذه هي الحقيقة الدامغة، أن السلطة الحالية بكل إخفاقاتها الواضحة هي البديل الأمثل، لدى قطاعات واسعة من المجتمع، عن فشل الجماعة وإخفاق تيارات الثورة المسيسة والحركية.
لا يمكننا تبرير هذا التحيز بالحديث عن الإعلام؛ فلدى هذه القطاعات مصالح تريد الدفاع عنها وتُعرّفها بدواعي الأمن أو بالاستقرار أو حتى المطالب الحياتية الضيقة التي تعكر مسيرتها الاضطرابات ومن يقفون وراءها. هذه القطاعات تتبنى ثقافة سياسية محورها الدولة وما تقدمه وما تمثله، والنظام الحالي هو تعبير عن برنامج الحكم الذي تمثله هذه الثقافة العميقة الجذور في المجتمع.