بعد صمت استمرّ خمسة أيام منذ اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمديرة الاستخبارات المركزية جينا هاسبل، عقب عودة الأخيرة من تركيا، خرج البيت الأبيض بموقف جديد إزاء قضية الصحافي السعودي المقتول جمال خاشقجي. موقف لم يشذّ عن حالة التريث التي ثبّتتها واشنطن أخيراً، مُتجنّبة تصعيد القضية إعلامياً، ومُؤثِرة على ما يبدو سلوك القنوات الخلفية في التعامل مع الأدلة التي باتت في حوزة أنقرة. في هذا الوقت، كانت السعودية تحاول يائسة الحصول على تلك الأدلة، فيما بدت تركيا أكثر وضوحاً في التعبير عن قلقها من مساعي «الإلهاء»، مع ما يعنيه الأمر من تضاؤل في إمكانية الاستفادة سياسياً من الأزمة.

وأدلت المتحدثة باسم البيت الأبيض، سارة ساندرز، مساء أمس، بتصريح مقتضب، أعلنت فيه أن الإدارة الأميركية تدرس «مجموعة من الخيارات المختلفة» للردّ على مقتل خاشقجي، مضيفة أن «الرئيس ترامب سيعلن قراره في موعد لاحق». ويساوق حديث ساندرز قول وزير الدفاع جيمس ماتيس، السبت الماضي، إن «وزير خارجيتنا سيتخذ إجراءات إضافية مع اتضاح الموقف». وتجتمع التصريحات الأميركية، التي تراجعت وتيرتها منذ أيام، على تأكيد الانطباع بأن إدارة ترامب تحاول كسب الوقت لصالحها، عبر الامتناع عن اتخاذ موقف واضح وحاسم، ريثما يتمّ التوصل إلى صيغة تحفظ ماء وجه الرياض وترضي أنقرة في الوقت نفسه. وما يعزّز ذلك الانطباع، أيضاً، هو حديث قناة «فوكس نيوز» الأميركية، أمس، عن أن وزير الخارجية، مايك بومبيو، رفض الاستماع إلى تسجيل صوتي متصل بواقعة قتل خاشقجي، حتى «لا يضطر إلى الإدلاء بتصريح حوله». وأوضحت القناة، نقلاً عن مسؤول أميركي، أنه لو صرّح بومبيو بحقيقة التسجيل، فسيكون على الولايات المتحدة تطبيق العقوبات، و«لن يكون ذلك سهلاً»، أما لو أدلى بما «يزعج الأتراك، فبإمكان الأخيرين تسريب التسجيل إلى الرأي العام، وحينها ستقوم القيامة».

البيت الأبيض: ندرس «الخيارات المختلفة» للتعامل مع قضية خاشقجي


هذه «القيامة» هي ما تدأب أنقرة على التلويح به بشكل شبه يومي، مرسلةً إشارات قلق من محاولات إطالة القصة وتمييعها، وبالتالي إضعاف قدرة الأتراك على «الابتزاز». ولعلّ ذلك هو الذي لمّح إليه، أمس، وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، بقوله، تعليقاً على لقاء النائب العام السعودي سعود المعجب نظيره التركي عرفان فيدان في اسطنبول، إنه «ينبغي استمرار هذا التعاون، لكن من دون أن يتحول إلى إلهاء أو مضيعة للوقت»، وإنه يجب «ألا يطول التحقيق أو يتحوّل مساره». وشدّد أوغلو على ضرورة «إتمام التحقيق في أقرب وقت ليتمّ الكشف عن الحقيقة كاملة»، معيداً طرح أسئلة حول مصير جثة خاشقجي، ومُحمّلاً السعودية مسؤولية كبيرة في هذا الإطار، «لا سيما أنها اعتقلت متورطين بالجريمة، وتجري تحقيقها الخاص أيضاً في القضية». والظاهر، على ضوء تصريحات أوغلو وقبلها مواقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكذلك الأداء الأميركي، أن أنقرة باتت تملك بالفعل أدلة على مآل الجثة، إلى جانب أخرى متصلة بالمستوى الذي صدر منه أمر القتل.
وهي أدلة بدت زيارة المدعي العام السعودي إلى إسطنبول كأنها محاولة لاستكشافها، في مسعًى تدرك الرياض أنه لن يوصلها إلى نتيجة، على اعتبار أن الأتراك لن يجازفوا بـ«أوراق القوة» التي في حوزتهم من دون مقابل. ونُقل، أمس، عن مصدر في مكتب المدعي العام التركي، أن الجانب السعودي طلب، أثناء اللقاء الذي استمرّ لـ75 دقيقة في قصر العدل في اسطنبول، الحصول على المعلومات التي في جعبة أنقرة، لكن طلبه هذا قوبل بالرفض. وعلى رغم أنه لم يصدر تأكيد من المسؤولين الأتراك بذلك الخصوص، إلا أن قناة «تي آر تي هابر» الرسمية أكدت، في وقت لاحق، أن المعجب أراد أن يشاركه الأتراك كامل العناصر الموجودة في ملف التحقيق لديهم، وهو ما لم يتمّ التجاوب معه.