القاهرة | في مسلسل متواصل من التشديد الإعلامي في مصر، المفروض على وسائل الإعلام المطبوعة والمهددة دوماً بالإغلاق ومنع الطباعة، أو المرئية التي لم يعد يطل على شاشتها سوى مذيعين يقولون ما تريده الدولة، اكتملت حلقة جديدة بإصدار الأمر للقادة العسكريين، السابقين منهم والحاليين، بمراجعة الجيش قبل إطلاق أي تصريح، حتى إن كان حديثهم مع الدولة وفي تأييدها. ويمثل الآن ظهورهم إعلامياً بلا إذن من الجهات المعنية مخالفة تستوجب العقاب، إذ عممت «إدارة الشؤون المعنوية» في القوات المسلحة قراراً بألا تُنشر تصريحات لعسكريين في لقاءات إعلامية من دون مراجعتها، وليس ذلك من أجل وقف الانتقادات التي توجه إلى بعض العسكريين على خلفية تصريحات مستفزة تسبب حالة من الجدل، بل للرغبة في السيطرة على المشهد الإعلامي أكثر من أي وقت مضى.

فقبل أسابيع قليلة، وبالتزامن مع احتفالات «انتصارات أكتوبر»، كانت «الشؤون المعنوية» تمنع عدداً من قيادات تلك الحرب الذين لا يزالون على قيد الحياة من الظهور، على رغم أن أدوارهم لم يُعرف عنها الكثير، وذلك كما يبدو لتجنب خلق أبطال جدد حتى إن كان هؤلاء يريدون أن يقولوا شهادة للتاريخ فقط. في المقابل، اكتفت بإظهار الخبراء المتقاعدين الذين تقدمهم بوصفهم «خبراء استراتيجيين» للحديث عن النصر الذي لم يشارك غالبيتهم فيه.
ومن الأساس لا تكف «الشؤون المعنوية» عن التدخل في الإعلام، مع أن دورها من المفترض أن يكون محصوراً في التواصل مع الوسائل لمنح المعلومات، وليس لتحديد ما يجب وما لا يجب، خصوصاً أن المشهد الإعلامي المصري بات يعاني من تعدد مصادر المنع والتدخل، جراء غياب الاتفاق بين الجهات السيادية على الشروط الواجب توافرها في المنصات الإعلامية. وعلى رغم صدور تعديلات قانونية في هذا الإطار، فإن «اللوائح التنفيذية» لا تزال مجهولة، وهي أيضاً ستصدر على الأرجح من دون نقاش مجتمعي، بسبب الخوف وسياسة تكميم الأفواه التي يتوسع فيها النظام بشراسة.

حُذّر بعض العسكريين المتقاعدين من التواصل مع الإعلام كلياً


وقد سُجلت حالات منع لمسؤولين عسكريين سابقين لا يُسمح لهم بالظهور بتاتاً، في مقدمهم محافظ مطروح السابق اللواء علاء أبو زيد الذي عمل مديراً لـ«المخابرات الحربية» قبل توليه المنصب المدني، إذ حاول تقديم نفسه في التلفزيون أكثر من مرة لكن طلبه قوبل بالرفض الشديد، بل وصل الأمر إلى تحذيره من التواصل مع الإعلاميين. لم يختلف وضع أبو زيد عن عدد من زملائه الذين تقاعدوا من الخدمة، وهم على علاقة بوسائل الإعلام.
وصار التعامل مع المحالين على التقاعد من الجيش وفق ثلاث فئات: الأولى المرضي عنها، التي خرجت ضمن خطة الإحلال والتجديد في المناصب القيادية وتسلم أصحابها مناصب جديدة في المشروعات القومية أو إحدى الشركات الحكومية أو الخاصة، والفئة الثانية المغضوب عليها التي حُجّمت وأُجبرت على التزام الصمت. أما الثالثة والوسيطة، فهناك خياران للتعامل معها بعد تحديد مدى رغبة صاحبها في العمل بعد التقاعد. الخيار الأول هو أن يرشح لمهمة ثانوية، والثاني أن يستبعد من أي وظيفة لا تتبع الدولة مباشرة ويتفرغ لإدارة عمله الخاص، لكنه يبقى تحت أعين الجهات الرقابية حتى إشعار آخر.
ويبدو أن دور «الشؤون المعنوية» آخذ في التوسع ليس على مستوى الإعلام وتوجيهه فقط، بل على مستويات مرتبطة بالتواصل مع بعض الوزارات والقطاعات، وهو ما يطرح تساؤلات عن كون هذا الدور مخفياً في السابق، أم أنه مرتبط بوزير الدفاع الجديد الذي تولى منصبه في التعديل الحكومي الأخير.