خطت تركيا خطوة أكثر تقدّماً في طريق تصعيد ضغوطها على السعودية، مُتحدّثة للمرة الأولى عن محاولات تستّر على مسؤولين في قضية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي. حديث يتمّم ما كانت قد بدأته أنقرة من مساعٍ لإحراج الرياض، عبر التلويح بوجهها تكراراً بسؤالَي: «من الذي أمر؟»، و«أين الجثة؟». وفيما تنشغل الولايات المتحدة بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي لم تعد تفصل البلاد عنها سوى 6 أيام، مُخفّضة عملية الضخّ الإعلامي بشأن قضية خاشقجي إلى أدنى مستوياتها، يبدو أنها تواصل من خلف الستار اشتغالها على دفع حليفتها نحو تقديم تنازلات من «كيسها»، لا يُعلَم إلى الآن ما إذا كانت كفيلة بإرضاء الأتراك وحملهم على طيّ القضية.

وحذر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أمس، من «المماطلة والمراوغة ومحاولة إنقاذ أشخاص معينين». وهو تحذير يلمّح أردوغان من ورائه إلى وجوه على مستويات عالية من المسؤولية، تتخطّى ما ورد في الرواية السعودية من تحميل الجريمة لمسؤولين في الاستخبارات والديوان الملكي، وقد لا يكون ولي العهد محمد بن سلمان مستثنىً من بينها. ويعزّز لجوء الرئيس التركي إلى تحذيرات من هذا النوع فرضية امتلاك بلاده أدلّة على ما ينقض الرواية السعودية، خصوصاً أنه أعاد طرح الأسئلة التي باتت ملازمة لتصريحات جميع المسؤولين الأتراك حول القضية. إذ توجّه إلى النائب العام السعودي، سعود المعجب، بالقول: «من أرسل الفريق المؤلف من 15 شخصاً؟ يتعيّن عليكم الكشف عن ذلك»، مضيفاً أنه «يتعيّن على المسؤولين السعوديين الكشف عن المتعاون المحلي (الذين تقول السعودية إن جثة خاشقجي سُلّمت له). قولوا لنا من هذا الشخص وسنجده».
وجاءت تصريحات أردوغان في وقت زار فيه النائب العام السعودي قنصلية بلاده في إسطنبول، برفقة المدعي العام في إسطنبول عرفان فيدان. وسبقت الزيارة، التي استمرّت قرابة ساعة ونصف ساعة، جولة ثانية من المحادثات بين الرجلين، انعقدت في القصر العدلي في إسطنبول. ونُقل عن مصدر في مكتب المدعي العام التركي أن المعجب سلّم الجانب التركي إفادات المشتبه فيهم الـ18 الموقوفين في السعودية. وكانت وسائل إعلام تركية قد ذكرت أن الجانب السعودي حاول، في الجولة الأولى من المباحثات، الحصول على المعلومات والأدلّة التي في جعبة أنقرة، خصوصاً في ما يتصل بجثة خاشقجي، لكن محاولاته تلك باءت بالفشل. والظاهر، في ضوء ذلك، أن السعوديين أرادوا استكشاف الأسلحة التي يهدّدهم بها الأتراك قبل أن يلقوا أوراقهم، لكنهم مع تمنّع الادعاء التركي اضطروا إلى تسليم الشهادات التي في حوزتهم، والتي لا يتوقع في حال من الأحوال أن تكون منافية لما بلغته الرواية السعودية حتى الآن، من أن المشتبه فيهم خطّطوا للجريمة ونفّذوها من دون الرجوع إلى القيادة.

«بلومبرغ»: ضغوط أميركية على الرياض لتخفيف «حصار قطر»


على المقلب الأميركي، يستمرّ خفوت القضية مع انشغال الجميع بالانتخابات النصفية المُقرّرة في الـ6 من الشهر المقبل. ويصاحب ذلك الهدوء صمت متواصل في البيت الأبيض، لا يبدو أنه ينسحب أيضاً على القنوات الخلفية. يوم أمس، نقلت وكالة «بلومبرغ» عن 3 مصادر مطلعة، بينها مسؤول أميركي، قولها إن إدارة دونالد ترامب تمارس ضغوطاً على السعودية من أجل تخفيف «الحصار» المفروض على قطر، واتخاذ خطوات مماثلة في اليمن، حيث تسبّب الحرب المتواصلة هناك بحرج للولايات المتحدة وتضعها في «موقف صعب». ويساوق ما كشفته «بلومبرغ» حديث وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، السبت الماضي، عن ضرورة «تسوية الجدال الداخلي بين شركائنا» في إشارة إلى الأزمة الخليجية، وأيضاً «إنهاء الحرب في اليمن». كذلك فإنه ينسجم مع الإشارات السعودية المتكررة ـــ منذ إلقاء ابن سلمان كلمته في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» ـــ إلى استعداد المملكة لتقديم تنازلات سياسية، ولا سيما في ملفَّي مقاطعة قطر والعلاقة مع تركيا.
لكن تلك التنازلات، في ما لو حصلت، لن يكون مضموناً أن تؤول إلى تسكيت الأتراك، ودفعهم إلى التعاون في تسكير الملفّ نهائياً، خصوصاً إذا ما تمكّن الديمقراطيون من الفوز بالأغلبية في مجلس النواب الأميركي. في هذه الحالة، سيزداد وضع إدارة ترامب صعوبة، وستجد نفسها محاصَرة بالأصوات الداعية إلى تعليق مبيعات الأسلحة للرياض، ووقف الدعم الأميركي لعملياتها المتواصلة في اليمن، وفقاً لحديث مصادر في الكونغرس لوكالة «رويترز». سيناريو تفاقم حراجته إمكانية إقدام أنقرة على استغلال ضعف الإدارة الأميركية ـــ في حال خسارة الجمهوريين وعدم التوصل إلى تسوية لقضية خاشقجي قبيل الانتخابات ـــ على نشر الأدلة التي في حوزتها، على رغم أن عوائق قانونية تحول دون خطوة من هذا النوع، وفق ما نقل موقع «ميدل إيست آي» البريطاني عن مصدر حكومي تركي. وأوضح المصدر أن التسجيل الصوتي المتّصل بالجريمة حُصِل عليه عبر «عمل استخباري»، وهو أمر ينافي اتفاقية فيينا التي تمنع التجسّس على البعثات الدبلوماسية. ومع ذلك، فإن احتمال قفز الأتراك على العائق المذكور ليس مستحيلاً، خصوصاً إذا ما استشعروا أن أساليب الضغط المعتمدة حالياً من قِبَلهم لن تؤدي إلى إنالتهم الأثمان التي يأملون جنيها من الأزمة.



أنقرة: قواتنا باقية في الدوحة
جدّدت تركيا، أمس، تمسّكها بالإبقاء على قاعدتها العسكرية في العاصمة القطرية الدوحة، واصفة مطالبة دول المقاطعة بإغلاق هذه القاعدة بـ«غير الواقعية». ويشكّل مطلب إغلاق قاعدة الريان التركية في الدوحة واحداً من الشروط الـ13 التي سلّمتها السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر في حزيران/ يونيو 2017. وقال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في مقابلة صحافية، إنه «لا توجد صلة بين نشر قواتنا العسكرية والنزاع الخليجي الحالي»، لافتاً إلى أن «نشر القوات المسلحة في قطر تمّ بموجب اتفاق التعاون الثنائي الموقّع عام 2014»، مشدداً على أن «الاتفاقية تعكس القرار السيادي لدولتينا، وليس من حق أي دولة أخرى تحدّيها». وأكد أوغلو أن «تركيا ستواصل دعم قطر طالما استمرّ الحصار»، مشدداً على ضرورة «ألّا يتأخّر حلّ هذا النزاع أكثر من ذلك»، مضيفاً: «(أننا) لا نزال متفائلين بأن النزاع المستمر ستتم تسويته قريباً، فالمأزق الحالي لا يخدم مصلحة أحد في منطقة الخليج». ورأى أنه «كلما تحقّق ذلك أسرع، كان ذلك أفضل لاستقرار منطقتنا وأمنها».