القاهرة | عندما عرض وزير التربية والتعليم في مصر، طارق شوقي، النظام الجديد الذي دخل حيز التنفيذ بداية العام الدراسي الجاري على الصفوف الأولى الابتدائية والصف الأول الثانوي، أعلن آنذاك انتهاء «عصر الدروس الخصوصية» التي تشكل في البلاد نظاماً تعليمياً هو الأكثر انضباطاً والتزاماً من المدارس! فالطلاب الذين يذهبون إلى الأخيرة لإثبات حضورهم فقط، يتوجهون بعد انتهاء الدوام، وأحياناً خلاله، لتلقي دروس خصوصية لدى المدرسين.

يجتمع ما لا يقل عن 40 طالباً ويبدأ المدرس الشرح، في منزل خاص استأجره أو «مركز» مزوّد بتجهيزات تشبه صفوف المدارس. بعض هذه المراكز يتسع الصف الواحد فيها ربما لـ100 طالب، الأمر المرتبط بشهرة المدرس وثقة الطلاب به. بعض هؤلاء المعلمين قد يتقاضون عن الحصة الواحدة، التي تتراوح بين ساعة وساعتين وفق المادة وطبيعتها، ما يفوق الراتب الذي يحصلون عليه من الوزارة عن شهر كامل.
شوقي، خريج الجامعة الأميركية الساعي إلى التوسع في استخدام أجهزة «التابلت» في المدارس الحكومية، لم ينجح في حل «معضلة» الدروس الخصوصية. ويشكل الأساتذة في هذا المجال «إمبراطوريات» لم يستطع أي وزير التصدي لها بعد، فضلاً عن أنه لا إطار قانونياً ينظم الدروس الخصوصية. حتى عندما حاولت الدولة تحصيل ضرائب عن هذه الدروس، لم تنجح جراء غياب وصول مالية تثبت ما تقاضاه المدرسون من الطلاب، أو نسبة أرباحهم منها مقارنة بأرباح المراكز. لكن تقديرات شبه رسمية تشير إلى تحصيل المراكز والمعلمين نحو 7 مليارات جنيه سنوياً من الدروس التي تشتد قبل امتحانات الثانوية العامة بأشهر.

ما يحصل عليه بعض المعلمين في حصة واحدة يفوق راتبهم الشهري


وحاول الوزير مستعيناً بالشرطة تنفيذ قوانين لم تُفعل بنودها منذ سنوات وتقضي بملاحقة المدرسين وإجبارهم على الاستعانة بالمدارس لتكون منصات لـ«الخصوصي» بأسعار أقل من التي يحصلون عليها، على أن تكون المواعيد بعد انتهاء الدوام الرسمي، لكن سريعاً ما أخفقت التجربة بعد تأخر صرف مستحقات المدرسين وأحياناً حرمانهم أموالهم، إضافة إلى اقتطاع نسب كبيرة للإداريين. وفي تصور شوقي أنه يمكن بـ«التابلت» القضاء على الدروس الخصوصية، بجانب إتاحة برامج على تلك الأجهزة لشرح المدرسين بعضها مدفوع والأخرى مجانية، على أن تكون هناك فرصة متساوية لجميع الطلاب في مختلف المدن المصرية للاستماع لشرح المدرس نفسه أينما كان. لكن هذه التجربة واجهت مشكلات من بينها آلية الدفع وضمان منع الاختراق وغيرها من التفاصيل التقنية.
ومنذ بداية العام الدراسي الجاري، أي قبل 6 أسابيع، ووزير التعليم يتحدث عن مشكلات عدة تعترضه، جزء كبير منها مرتبط بالإخفاق في انطلاق المنظومة الجديدة، لكن الجديد هي الآلية التي بدأت دراستها أخيراً للتعامل مع «الخصوصي»، المرتبطة بالتعامل مع هذه الدروس بوصفها أمراً واقعاً وتقنين وضعها خارج المدارس، في وقت تحولت المدارس الثانوية، لا سيما في الصف الثالث (التيرمنال) إلى صفوف خالية جراء نزوح الطلاب إلى المعلمين خارج المدارس! وفي الأيام الماضية، لجأت الوزارة إلى إعلان عقوبة الفصل كعقاب للمعلم الذي يعطي دروساً خاصة، لكن غالبية هؤلاء حاصلون على إجازات من دون راتب من وظائفهم، أو أصلاً صدرت بحقهم عقوبات بالفعل حرمتهم غالبية الامتيازات المالية، بل قدم بعضهم استقالتهم لقلة ما يتلقونه مقابل أجورهم في «الخصوصي».
والآن يدرس شوقي حلاً أخيراً هو تحويل المدارس إلى «مراكز خصوصية مرخصة» بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية، مع تزويدها بإنارة كافية، على أن يتم تحصيل 50% من قيمة الدروس لخزينة الوزارة، فيما يحصل المدرسون على الباقي فوراً. وتدور مناقشات حول التسعيرة التي ستعرض على الطلاب، ويقترح البعض تركها تخضع للعرض والطلب، إذ يكون المدرس هو صاحب القرار فيها بمفرده. وفي حال تطبيق هذا الحل، يكون الوزير الذي جاء بخطط طموحة لتحقيق «نهضة» في التعليم المصري القابع في المركز قبل الأخير (وفق المؤشرات العالمية) قد استكمل مسلسل الإخفاقات، خصوصاً أن التعليم في البلاد تحول خلال العقود الأخيرة من مجاني، كما جعله الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، إلى تعليم لمن يدفع أكثر، مع الإبقاء على المجانية كديكور لا يمكن التخلي عنه تجنباً للغضب الشعبي.