تونس | كما كان متوقعاً، حصلت الحكومة التونسية الجديدة أمس على ثقة المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) بعدما قدّم رئيسها مهدي جمعة، بيان حكومته الذي تضمن رسائل واضحة إلى الأحزاب السياسية وإلى النخبة التونسية وإلى الشعب التونسي. وأكد جمعة ضرورة الدفاع عن المصالح العليا لتونس التي يجب أن تكون فوق التجاذبات السياسية والأيديولوجية، ودعا الى إعادة الاعتبار لقيمة العمل.


وقال إن ارتفاع الإنفاق العمومي والأجور خلال الثلاث سنوات الأخيرة أثّر سلباً على الموازنة الاقتصادية للبلاد، التي تمر بفترة صعبة لن تنجح في تجاوزها من دون دعم الدول الصديقة والمنظمات الدولية التي تساند مشروع الانتقال الديموقراطي في تونس.
ورأى جمعة في بيانه أن المعركة الكبرى التي يجب أن ينتصر فيها التونسيون هي تنظيم الانتخابات، التي وعد بأنها ستكون نزيهة ووفق مناخ ديموقراطي.
ففي أول ظهور له أمام أعضاء البرلمان، قال جمعة إن أولوية حكومته هي «تنظيم الانتخابات التي ستكون المحطة الأخيرة في تجربة الانتقال الديموقراطي»، مشدداً على أنه ستُراجَع كل التعيينات في الدولة التي لها علاقة بالانتخابات مثل المحافظين والمعتمدين (ممثلو الدولة محلياً) والعمد (ممثلو الدولة في الأحياء). وأشار إلى أنه سيعمّق العلاقة مع الأحزاب والمنظمات والجمعيات، وأنه سيكون على مسافة واحدة من الجميع.
ولم ينس جمعة أن يتوقف عند موضوع ميليشيات حماية الثورة التي تشترط خريطة الطريق حلّها، من دون أن يسميها مباشرة لتجنب الإحراج مع داعمي هذه الميليشيات، وخصوصاً الرئيس المؤقت محمد منصف المرزوقي. إلا أن قوله إن الدولة هي الراعي الوحيد للثورة، كان بمثابة رسالة واضحة لكل من يدعم هذه الميليشيات المتورطة في العنف والاعتداء على المعارضين والإعلاميين والناشطين، باسم «الدفاع عن الثورة وحمايتها من أزلام النظام السابق».
وشدد أيضاً على دور المثقفين والنخب التونسية في بناء تونس في هذه المرحلة من تاريخها؛ وهي أول مرة يتعرض فيها رئيس حكومة منذ انتفاضة يناير 2011، لدور المثقفين الذين غُيِّبوا كلياً منذ سقوط النظام السابق.
وحتى إلى الاحتفال الذي نظّمه الرئيس التونسي أول من أمس في القصر الرئاسي في قرطاج لمناسبة صدور الدستور، لم توجَّه الدعوة إلى أي مثقف أو مبدع تونسي.
وأشار جمعة في بيانه إلى ضرورة المصالحة الوطنية حتى تستفيد تونس من كل الكفاءات.
الخطاب الأول لرئيس الحكومة كان واضحاً، وفيه الكثير من نقاط الأمل لتستعيد تونس حيويتها الاقتصادية ودورها الديبلوماسي في العالم، باعتبارها نموذجاً في البناء الديموقراطي بعد ثلاث سنوات غابت فيها الديبلوماسية التونسية غياباً شبه كامل بسبب الثقافة «الثورجية».
ورغم اجتهاد جمعة في اختيار فريقه الحكومي، إلا أن بعض الوزراء أثاروا الكثير من الجدل، أولهم وزير الشؤون الدينية منير التليلي، المتهم بولائه للفكر الوهابي ورفضه لمجلة الأحوال الشخصية التي يعتبرها التونسيون أحد مكاسبهم الكبرى.
ولا يتوقف الجدل فقط عند هذا الوزير، فقد رفض الحقوقيون وزير العدل حافظ بن صالح، على اعتبار مسؤوليته عن تعطيل الوضع القانوني للرابطة التونسية لحقوق الإنسان في عهد بن علي طوال عشر سنوات، وكذلك عضويته في المرصد الوطني للانتخابات الذي كان الغطاء القانوني للعملية الانتخابية، التي تعتبرها المعارضة مُزيّفة في عهد بن علي.
كذلك أثار عدد كبير من القوميين تحفّظات على وزيرة السياحة آمال كربول، المتهمة بعلاقاتها مع إسرائيل، فيما اعترض آخرون على كاتب الدولة للخارجية فيصل قويعة، الذي كان سفيراً لدى إندونيسيا في عهد بن علي، وكذلك كاتب الدولة للشؤون المحلية عبد الرزاق بن خليفة، المحسوب على حركة النهضة.
وفيما يتحمّل بن خليفة ووزير الداخلية لطفي بن جدو، المسؤولية عن الانتخابات المقبلة، تتحفظ أحزاب من المعارضة وخاصة «الجمهوري» والجبهة الشعبية عليهما.
ومهما يكن من التجاذبات المُثارة حول تركيبة الحكومة، فإن إعلانها أنعش الاقتصاد وارتفعت قيمة الدينار ومؤشر البورصة في انتظار إعلان موافقة المانحين على تقديم قروض ومساعدات ومنح جديدة يتوقع أن يعلنها اليوم محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري، الذي رأى أن انتهاء الأزمة السياسية سيؤثر مباشرة على الوضع الاقتصادي الذي كان يعاني من صعوبات حقيقية كانت تنذر بالخطر.