مع تصويت الحكومة الاتحادية، أمس، على زيادة مخصّصات منتسبي «هيئة الحشد الشعبي» ورواتبهم، عبر إجراء مناقلة قدرها 197 ملياراً و896 مليون دينار عراقي (حوالى 165 مليون دولار أميركي)، استطاع عادل عبد المهدي تجاوز تحدٍّ جدّي في العلاقة مع «تحالف الفتح»، أبرز داعميه السياسيين. ووفقاً للناطق الرسمي باسم «الفتح» أحمد الأسدي، فإن «القرار جاء عبر المناقلة في موازنة الطوارئ للسنة المالية 2018»، والتي «تبلغ 3 تريليونات دينار (حوالى 2.5 مليار دولار)». وأشار الأسدي إلى أنه «سيُصرف من بعض أبواب تلك الموازنة للحشد الشعبي، لتتم تسوية رواتبه مع القوات الأمنية»، على أن يتمّ الصرف «على 3 أشهر، من تشرين الأول الماضي إلى كانون الأول المقبل».

وكان الأسدي اتهم رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، بالتراجع عن قرار سبق أن أصدره بزيادة مرتبات عناصر «الحشد». وهو ما رأى فيه مقرّبون من العبادي «اتهاماً سياسياً لا أكثر»، نافين وجود «أي تراجع عن هذا المنهج»، ومحاججين بدعوة العبادي متّهميه إلى «مراجعة المحاضر الحكومية لتبيان ذلك». هذا الدفاع عاد الأسدي وردّ عليه بطريقة غير مباشرة، بقوله إن «تأخّر صرف هذه الأموال سببه أن مجلس الوزراء السابق أصدر قراراً بزيادة الرواتب، ولكن حتى يوم 4 تشرين الثاني الجاري لم تُموَّل وزارة المالية بأي مبالغ لهذا الصرف، والذي يبلغ 56 مليار دينار، أما اليوم فقد تمت زيادته إلى أكثر من 197 مليار دينار». وبيّن الأسدي أن الزيادة تشمل 122 ألفاً (بناءً على الهيكلية المُقدَّمة عام 2016) من منتسبي «الحشد» وليس كلهم، البالغ عددهم 150 ألفاً، مؤكّداً أن كتلته «ستعمل على شمول البقية في موازنة 2019».
إذاً، تمكّن عبد المهدي من تجاوز هذا القطوع، الذي نُظر إليه على أنه واحد من أولى التحدّيات التي يواجهها الرجل. وعلى رغم أن قرار الأمس يُعنى بمؤسسة عسكرية تابعة للقائد العام للقوات المسلحة العراقية، وأن صدوره ليس استثناءً إذ «من الطبيعي أن تتساوى رواتب الحشد مع بقية المؤسسات الأمنية» وفقاً لما تقوله لـ«الأخبار» مصادر من داخل مكتب رئيس الوزراء، إلا أن سياقه يبدو سياسياً، خصوصاً أن الأشهر القليلة الماضية شهدت الكثير من التجاذبات بهذا الشأن، بعدما حاول العبادي ـــ إبّان أزمة البصرة ـــ تجيير القرار لمصلحة كسب ودّ قوى «الحشد الشعبي» وتحالف «الفتح»، بهدف تثبيت حضوره شعبياً في الشارع الجنوبي من جهة، وحيازة دعم برلماني لنيل الولاية الثانية من جهة أخرى. ومع استشعار رئيس الوزراء السابق أن زعيم «الفتح» لا يميل إلى تزكيته لولاية ثانية، عَدَل عن رأيه، ساحباً القرار من أدراج النقاشات الحكومية. وهذا ما تؤكده مصادر «الحشد» في حديث إلى «الأخبار»، لافتة إلى أن ما قام به العبادي ابتداءً كان «تسليفاً سياسياً ليس أكثر»، وأن الرجل «حاول في أيامه الأخيرة إغراء المهندس (نائب رئيس «الحشد») والعامري حتى يحظى بالولاية الثانية، إلا أن الرفض كان حاسماً».

أكدت مصادر «الحشد» أن الأخير «ملتزم بقرارات عبد المهدي ومنهاجه»


وبقراره صرف مخصّصات «الحشد»، يحظى عبد المهدي بدعم إضافي له ولحكومته من الكتلة المُمثِّلة لهذه المؤسسة. دعم سبق أن تجلّى في زيارة رئيس الوزراء أول من أمس إلى مقرّ «هيئة الحشد»، حيث ظهر أن علاقة طيبة تجمع الجانبين، على عكس العبادي «المغضوب عليه» من قِبَل قادة «الهيئة». إذ، وعلى مدار السنوات الأربع الماضية، شهدت العلاقة بين العبادي والمهندس ورئيس «هيئة الحشد» فالح الفياض توترات خرجت إلى العلن مراراً وتكراراً، ووصلت حدّ التهديدات المتبادلة والمبطنة، غير أن الجانب الإيراني ظلّ يشكل ضابط إيقاع في ما بين الطرفين، عبر محاولته تدوير زوايا الخلاف، والتشديد الدائم على ضرورة حضور «الحشد»، ومشاركته في مختلف المعارك، على رغم معارضة العبادي لذلك، ومن خلفه «التحالف الدولي» بقيادة واشنطن.
اليوم، وبقرار «منصف» بتعبير مصادر «الفتح»، يطوي عبد المهدي تلك الصفحة المتوترة من العلاقة بين رئاسة الوزراء وقيادة «الحشد»، بعدما جاءت كلمته أول من أمس لطمأنة الأخيرة إلى دعم الرئاسة الثالثة لهذا التشكيل العسكري، والتأكيد أن «الحشد باق...». ووفقاً لمصادر «الحشد»، فإن «قرار عبد المهدي سياسي أيضاً، وسيكون له انعكاس ميداني في القريب العاجل». وتؤكد المصادر، في حديثها إلى «الأخبار»، أن «الحشد ملتزم بقرارات عبد المهدي، ومنهاجه الوزاري، ومن بينها الخروج من المدن، وتعزيز الحدود الغربية مع سوريا»، فضلاً عن أنه سيكون دعامة «العملية السياسية» في البلاد، وهو ما عبّر عنه المهندس غير مرة بتشديده على أن «من مهمات الحشد حماية النظام والعملية السياسية في العراق».