القاهرة | أصبح وزير الدفاع المصري عبدالفتاح السيسي رئيساً، حتى قبل أن يُعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية المتوقع إجراؤها في نيسان المقبل. بات الرجل الذي يتمتع بشعبية واسعة يُلخص المشهد المصري مع تضاؤل دور السياسيين والثوريين وانكفائهم، في وقت باتت فيه القوى المؤيدة للرئيس المعزول محمد مرسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، في موقع المدافع عن النفس أمام الهجوم الشعبي والرسمي عليها.

وبعد الشعبية التي نالها رجل الجيش القوي إثر عزله لمرسي، ظهرت شعبية السيسي بقوة في أكثر من موضع، أهمها الاستفتاء على الدستور الأخير؛ فأغلب من شاركوا في الاستفتاء نزلوا إليه، خصيصاً، لتأييد السيسي، وحملوا صوره، وغنوا له أمام اللجان. وكذلك في الاحتفالات الأخيرة لذكرى ثورة «25 يناير»، كانت صور السيسي تنافس من حيث عددها أعلام مصر التي حملها المشاركون في أكثر من ميدان. أما القوى المدنية فلا وجود لها تقريباً بين أوساط الشعب، فيما يظهر على استحياء المرشح الرئاسي السابق ومؤسس التيار الشعبي حمدين صباحي، لتتضارب الأنباء حول نيته الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، بينما أعلن أغلب رؤساء الأحزاب المدنية الأخرى أنهم يؤيدون ترشح السيسي لرئاسة الجمهورية.

وفي حديث إلى «الأخبار»، قال رئيس الحزب المصري الديموقراطي الاجتماعي محمد أبو الغار «إنه لا مانع لدى الحزب من تأييد السيسي في الانتخابات الرئاسية»، معتبراً أن أحداً «لن يترشح أمام السيسي نظراً لشعبيته الواسعة، ما يجعل النتيجة محسومة سلفاً».
وأضاف أبو الغار أن «المهم الآن هو أن يقدِّم السيسي برنامجاً رئاسياً يحقق أهداف الثورة».
ما سبق يمثّل أيضاً رأي رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، عبدالغفار شكر، الذي أكد تأييده لترشح السيسي «إن كان لديه برنامج ثوري».
هذا الاتجاه يوافقه أيضاً أحد أقدم الأحزاب المدنية المصرية، حيث قال سكرتير عام مساعد حزب الوفد حسام الخولي «إنه لا مانع لدى الحزب من تأييد مرشح له خلفية عسكرية، لأنه سيستقيل من القوات المسلحة عند ترشحه للرئاسة، وعليه سيصبح مرشحاً مدنياً». وأوضح الخولي، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الحزب لا يقيّم المرشح على أساس الخلفية القادم منها، بل من خلال البرنامج الانتخابي الذي يتقدم به».
واللافت أن هذا الدعم الذي تبديه الأحزاب المدنية يأتي قبل أن يعلن السيسي رسمياً ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة. ولكن هذا التأييد يمكن أن يأتي في سياق الشعبية الواسعة التي يحظى بها السيسي في الشارع؛ فرغم أن باب الترشح للرئاسة لم يفتح حتى الآن، تؤكد كل المؤشرات أنه سيكون المرشح الأقوى، وصاحب النصيب الأوفر في الفوز في الانتخابات المقبلة.
لقد خسرت القوى المدنية جزءاً كبيراً مما حصلت عليه من استحسان شعبي في ثورة «25 يناير»، وكذلك أثناء حكم جماعة الإخوان المسلمين، إذ إنها، كالعادة، لم تتمكن من استغلال هذا الزخم الشعبي، ولم تكن قادرة على النزول إلى الشارع والانصهار معه. كذلك لم تتمكن الأحزاب المدنية من تقديم مرشح رئاسي للانتخابات المقبلة، وهو ما خلق فراغاً قوياً استطاع السيسي ملأه في ظل ظروفٍ استثنائية، ومشهد مرتبك، وعمليات إرهابية تضرب في كل مكان، فلماذا غابت القوى المدنية عن مشهد انتخابات الرئاسة؟
الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وحيد عبدالمجيد رأى في حديث إلى «الأخبار» أنه «لا يمكن قياس مسألة نجاح أو فشل القوى المدنية بناءً على الانتخابات الرئاسية المقبلة، وسبب ذلك يعود بنظره إلى أن الانتخابات تجري في ظروف غير طبيعية». وأوضح أن «المرحلة الحالية هي مرحلة انتقالية تسودها معركة عنيفة في مواجهة الإرهاب، ما ترتب عليها تراجع السياسة في المشهد العام، وتقدم الدور والرؤية الأمنية بشدة، وأحياناً بطريقة مبالغ فيها».
وعن مسألة المرشح الواحد للانتخابات الرئاسية، قال عبدالمجيد «إن المرحلة بطبيعتها وبما فيها من تعقيدات والتباسات، ونتيجة للدور الذي قامت به قيادات القوات المسلحة في 3 تموز الماضي، تغير المشهد السياسي وانحسرت السياسة، وأصبح المزاج الشعبي العام معبأً بقوة لمصلحة المرشح العسكري، وهو الأمر الذي ساعد فيه الإعلام بدرجة كبيرة»، لافتاً إلى أن المزاج الشعبي أصبح مقتنعاً بضرورة وجود شخصية عسكرية لمواجهة الإرهاب والعنف في الشوارع.
وتابع «إن الحديث عن عدم وجود بديل آخر غير المرشح العسكري، يُعبِّر عن مستوى الوعي الموجود في المجتمع»، مشيراً إلى أن «أغلب رؤساء الدول الديموقراطية لم تكن الجماهير تعرفهم قبل ترشحهم للرئاسة، فالاختيار في الظروف الطبيعة يجب أن يقوم على أسس البرامج الانتخابية والمقارنة بين المرشحين».
بدوره، رأى أستاذ العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة حسن نافعة، أن «مصر تمر بمرحلة استثنائية، فهناك ثورة قامت على حكم جماعة الإخوان المسلمين وساعدها الجيش في عزل الرئيس الإخواني، وبالتالي هناك فريق تمثله جماعة الإخوان يرى في ما حدث انقلاباً على الشرعية، فيما يعتقد فريق آخر أن تدخل الجيش كان انحيازاً إلى الإرادة الشعبية التي كانت تطالب بإسقاط حكم الإخوان». وعليه، وفقاً لنافعة، فإن «الوضع الحالي هو وضع استثنائي يجعل الانتخابات الرئاسية استثنائية أيضاً».
وقال نافعة، في تصريح إلى «الأخبار»، إن «الوضع الحالي متوتر بطبيعة الحال، وهناك قطاعات كبيرة من الشعب المصري ترى حاجة ماسة إلى ترشح شخص ذي خلفية عسكرية ليستطيع مواجهة الإخوان»، مشيراً إلى أن «معظم الأحزاب المدنية الحقيقية حديثة التكوين، تشكل أغلبها عقب ثورة 25 يناير، وهي ضعيفة وهشة، وبالتالي ليس لديها جذور في الشارع ولا تسطيع العمل فيه ولن تكون قادرة على تقديم بديل للرئاسة».
ورأى نافعة أن من المهم أن يكون هناك مرشحون آخرون مقابل المشير السيسي، وأن تكون الانتخابات تنافسية حقيقية يقدم فيها كل مرشح برنامجه الانتخابي ويتم الاختيار على هذا الأساس.