جعل المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، غسان سلامة، آثار الحرب الأخيرة في العاصمة طرابلس، التي امتدت إلى ما يقارب شهراً، نقطة ارتكاز إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي: ما قبلها وخلالها وما بعدها، وخاصة الترتيبات الأمنية الجديدة، التي اتخذها «المجلس الرئاسي» لحكومة «الوفاق الوطني»، بعد توقيع «اتفاق الزاوية»، الذي أنهى القتال قبل نحو شهر ونصف شهر. شدد سلامة على دور البعثة في «تثبيت وقف إطلاق النار، على أرض الواقع وعلى المستوى السياسي»، قبل أن يتناول الخطة الأمنية، التي قال إنها تتركب من 3 حلقات للسيطرة، تقضي أولها، وهي التي تُنفذ الآن، بإخراج «الجماعات المسلحة من المنشآت الرئيسية»، وتعويضها بقوات من الشرطة. ورغم الخروقات العسكرية التي شهدتها طرابلس، خلال الأسابيع الأخيرة، ولا سيما حرب التصفيات التي أدت إلى اغتيال عدد من قادة الميليشيات، رأى سلامة أن «مركز العمليات في طرابلس، ينسّق العملية جيداً»، من دون أن يذكر الميليشيات، إلا في إطار حثّها على «الكف عن استخدام موقعها لاختراق المؤسسات السيادية وترويعها».

«الاستقرار بعيد المنال، ما دام الليبيون يتنازعون حول الموارد»، هذا ما استنتجه المبعوث الأممي في بحث أسباب استمرار الفوضى والنزاع، فيما بلغت الإيرادات النفطية 13 مليار دولار في الأشهر الستة الأولى من هذا العام. تلك الأموال، وفق سلامة، ينهبها مجرمون يستخدمون العنف وشبكات المحسوبية، مشيراً إلى أن مهربي النفط، من أبرز أولئك الذين سيحرمهم رفع الدعم المباشر عن النفط، وتعويضه بمنحة عائلية، عوائدَ مهمة، وسيرفع في ذات الوقت من دخل العائلات الفقيرة التي ازداد عددها.
أما في موضوع الانتخابات، التي تكرر تحديد موعدها أكثر من مرة، كان آخرها في كانون الأول/ ديسمبر هذا العام، حسب الخريطة المنبثقة من «مؤتمر باريس 2»، فرأى سلامة أن الشعب الليبي والمجتمع الدولي منحا كافة الفرص لمجلس النواب (متركز شرق البلاد)، لكنه «بعد شهور من التعهد الملزم بالخروج بالتشريعات اللازمة لإجراء الاستفتاء على مقترح الدستور»، تبيّن أن الأمر «وسيلة يُقصد منها تضييع الوقت».
لم يستثن المبعوث الأممي «المجلس الأعلى للدولة» من المسؤولية (هيئة استشارية متركزة في طرابلس، وتأسست بعد «اتفاق الصخيرات» كبديل من «المؤتمر الوطني العام»)، حيث قال إنه بالنسبة إلى كلا المجلسين «تشكل الانتخابات تهديداً يجب عليهما مقاومته مهما كلف الأمر». أما الحوار المعقود بين الهيكلين منذ مدة بغاية إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، فرغم تعبير سلامة عن «تقديره» له، إلا أنه لم يعبّر عن تفاؤله تجاهه، وهو محق في ذلك، إذ وقّع أحد أعضاء «المجلس الأعلى للدولة»، إدريس بوفايد، قرار «تجميد» الاتفاق المبدئي الذي جرى التوصل إليه، بحسب ما أعلن الأخير في تحديث نشره، أمس، على صفحته في «فيسبوك».
مع فشل الضغط من الخارج، صار مخرج الأزمة، حسب سلامة، محصوراً في الاستجابة لتطلعات أفراد الشعب الليبي «الذين ضاقوا ذرعاً بالمغامرات العسكرية، والمناورات السياسية التافهة»، حسب تعبيره. فحسب آخر استطلاع رأي أجرته البعثة الأممية، عبّرَ 80% من المشاركين عن رغبتهم في إجراء انتخابات. لكن كيف السبيل إلى حل ينطلق من الداخل؟ يقترح المبعوث الأممي عقد مؤتمر «يقوده الليبيون ويتولون زمامه»، على أن يكون أساسه اجتماعات «الملتقى الوطني» التي بدأت منذ نيسان/أبريل الماضي، والتي بلغ عددها 77 اجتماعاً في 43 بلدية ومدينة خارجية، من تلك التي تشمل جاليات ليبية مهمة، إضافة إلى مشاركة مواطنين عبر الوسائل التكنولوجية، ما ضَمِن مشاركة نحو 1.8 مليون شخص. خطوة سلامة القادمة، إذاً، هي الدعوة إلى عقد «مؤتمر وطني» شامل في الأسابيع الأولى من العام المقبل، ينطلق من تقرير الاجتماعات القاعدية، ويمهد لعقد انتخابات في ربيع العام ذاته، عبر جدول زمني، ويكون مدعوماً من المجتمع الدولي، لكن «بلا تدخل» منه.
لم يقفز الرجل عن «مؤتمر باليرمو»، الذي تنظمه إيطاليا يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين، إذ عدّه «فرصة» للدول الأعضاء «لتقدم دعماً ملموساً لليبيا». وحصر ذلك في نواحي «تدريب قوى أمن مهنية، وكسب المزيد من الدعم العملي لنظام وطني يخص إعادة توزيع الثروات». وإضافة إلى تجنب ذكر الدعم السياسي الأجنبي، لمّح سلامة إلى الصراع الإيطالي - الفرنسي، قائلاً إن «التسابق والتنافس بين القوى أمر طبيعي ومشروع إلى حد ما، إلا أن انعكاساته على ليبيا أضرت بحق». وتعقيباً على مسألة التدخل الخارجي في ليبيا، وتفاعلاً مع ما جاء في إحاطة سلامة، قال الرئيس السابق لـ«المجلس الأعلى للدولة»، عبد الرحمن السويحلي، في تدوينة على حسابه في «تويتر»، إن «التدخل الإقليمي منذ عام 2014، أسهم في تأجيج الصراع. علينا جميعاً أن نتصدى لهم ونقولها مُدويّة: كفوا عنا أموالكم وقنواتكم».
من جهته، وجه النائب البرلماني المستقيل، محمد العباني، رسالة استهجان إلى سلامة عبر صفحته في «فيسبوك»، معتبراً إياه «جزءاً من الأزمة»، واتهمه بـ«الانحياز إلى حكومة الوفاق الوطني» في طرابلس، قائلاً إن سلامة «شرعن اتفاق الصخيرات زوراً وبهتاناً، وفرضه على الشعب الليبي، مشيراً إلى أنه حدد ربيع 2019 موعداً لإجراء الانتخابات، متناسياً أنّه أسهم في وقف تطهير العاصمة من الجماعات المسلحة، وأنه «الداعم الرئيسي للمجلس الرئاسي، الذي يعرقل توحيد الجيش».