لم تبارح الإدارة الأميركية، في تعاملها مع قضية الصحافي السعودي المقتول جمال خاشقجي، الموقع الذي لزِمته منذ اللقاء الذي جمع الرئيس دونالد ترامب، برئيسة الاستخبارات المركزية جينا هاسبل، عقب انتهاء زيارة الأخيرة لتركيا. وفي انتظار تكشّف فحوى التوعّد «الترامبي» بـ«رأي أقوى بكثير» حيال القضية، تحافظ واشنطن على تذبذبها ما بين عقوبات محدودة على مسؤولين سعوديين، وتمسّك بالعلاقات مع الرياض.

وقال مستشار وزارة الخارجية الأميركية، ديفيد هيل، أمس: «(إننا) في هذه المرحلة نتخذ خطوات قوية، مثل إلغاء تأشيرات بعض المسؤولين السعوديين»، مضيفاً: «(إننا) نقيّم إمكانية تطبيق عقوبات في إطار قانون ماغنيتسكي»، الذي يسمح لواشنطن بفرض عقوبات على أشخاص بتهم تتعلّق بانتهاك حقوق الإنسان. ولفت هيل إلى «(أننا) طلبنا من السعوديين إظهار الحقائق، وتحميل الجناة المسؤولية، وشهدنا بعض الخطوات الإيجابية لغاية الآن، إلا أنه ينبغي لهم فعل المزيد». ورأى أنّ «من الممكن تحميل قتلة خاشقجي المسؤولية، ومواصلة التعاون الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية في آن واحد».
وتنضمّ تصريحات هيل إلى مؤشرات أخرى تنبئ بأن إدارة ترامب لن تصل، في «تأديبها» للسعودية، إلى حدود ما يبدو أن تركيا تتمنّاه من إزاحة لولي العهد محمد بن سلمان. مردّ التحفّظ الأميركي، إلى جانب الحرص على الصفقات التي أبرمتها واشنطن مع العهد الجديد في المملكة، خشية الولايات المتحدة من تأثير أي تغيير دراماتيكي في السعودية على مشاريعها المتصلة بالشرق الأوسط، خصوصاً «صفقة القرن» ومشروع «الناتو العربي». ومع ذلك، فإن تلك المشاريع ستواجه عثرات إضافية، على اعتبار أن مهمّة الدفاع عن ابن سلمان وإعادة تسويقه غربياً، ولو بعد قصقصة أجنحته، لن تكون سهلة.

تبحث واشنطن تطبيق عقوبات على السعودية في إطار قانون ماغنيتسكي


في هذا الإطار، تتزايد المؤشرات على أن «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي»، الذي كان يفترض إعلانه في قمّة تجمع ترامب بزعماء الخليج ومصر والأردن أواخر كانون الثاني/ يناير المقبل، قد لا يبصر النور في موعده المحدد. إذ إنه سيكون من الصعب، وفقاً لخبراء غربيين، حضور ابن سلمان القمة المنتظرة «بالنظر إلى ما حدث (اغتيال خاشقجي) وكيف ستكون ردود الفعل». وعلى رغم أن مسؤولاً كبيراً في إدارة ترامب نفى، لـ«رويترز»، أن «يكون مقتل خاشقجي قد عرقل التقدم بشأن التحالف»، واصفاً الأخير بأنه «أكبر من دولة واحدة وقضية منفردة»، إلا أن أحد المفاوضين الرئيسين في عملية تشكيل التحالف، وهو الجنرال المتقاعد أنتوني زيني، اعترف ضمناً بتأثير محتمل للواقعة على المشروع الأميركي، قائلاً: «(إنني) لا أعرف حتى الآن كيف سيؤثر ذلك بالعملية. نحن بانتظار التحقيق النهائي والقرارات... قبل بحث التحرك إلى الأمام».
وعلى رغم أن حادثة القنصلية السعودية في إسطنبول قد تمثّل عائقاً أمام الخطط الأميركية، إلا أنها قد تمثل في الوقت نفسه حافزاً نحو تقليص دائرة المعارك الخارجية السعودية، والذي يبدو أن العمل عليه بدأ منذ ما قبل مقتل خاشقجي، وفقاً لما تظهره وثيقتان سريتان اطلعت عليهما «رويترز». ويخاطب مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، وزيرَي الخارجية مايك بومبيو، والدفاع جيمس ماتيس، في إحدى الوثيقتين، بأن «التنافس يزداد بين شركائنا الإقليميين، والدخول في منافسة صريحة (مثلما هي الحال) في حالة قطر يضرّ بالمصالح الأميركية، ويصبّ في مصلحة إيران وروسيا والصين»، مشدداً على أنه «لإيقاف هذه الاتجاهات السلبية، ينبغي لنا أن نغيّر حسابات شركائنا الاستراتيجية». دعوة أيّدها، أمس، وزير الخارجية البريطاني السابق بوريس جونسون، باعتباره أنه لا يمكن مواجهة إيران إلا بمنعها من «استغلال تداعيات سياسات الغرب وحلفائه»، معتبراً في هذا الإطار أن حادثة اغتيال خاشقجي بمثابة «طريقة لتقوية الدور الإيراني في المنطقة»، وأن «الحرب في اليمن أصبحت مسيئة إلى سمعة السعودية ووسيلة لتعزيز التأثير الإيراني». وشدد جونسون على ضرورة «إنهاء هذه الحرب، وإعطاء صوت للحوثيين في الحكومة يضمن منع إيران دستورياً من أن يكون لها دور في البلاد».