في نهاية شارع الحجر المُفضي إلى ساحة باب توما وبداية شارع الأمين في قلب مدينة دمشق القديمة، تقع حديقة صغيرة اسمها «القشلة»، وهي حديقة كانت مهملة أعادت محافظة دمشق ترميمها، وبعدها، بدأ زمنها وكان موعدها مع شباب سيأتون إليها لاحقاً لأنهم سددوا ما عليهم من ضرائب لامست القلب هذه المرة وليس الجيب، ودفعوا فواتير قامت بجبايتها العتمة كما الشمس على حدٍّ سواء.

دائمون ومؤقتون وعابرون هم رواد القشلة، يتوزعون على مقاعد من خشب وحجر، آخرون يجلسون في شكل متجاور على طول سور الحديقة المُبلّط حيث الكتف على الكتف، أما الظهر، فالجالسون ووجوههم باتجاه الشارع يسندون ظهورهم إلى الجالسين ووجوههم باتجاه الحديقة، شباب وشابات وبأجيال متفاوتة، لا أحد يرى وجه الآخر إلا في استدارة نادرة تحدث فجأة لإفساح مكان «لقنينة البيرة»، أو عندما يرمي أحدهم نكتة ويلتقطها آخر في غفلة من صمت قصة انتهت أو حديث توقف فجأة. الفسحة الأكبر المتاحة هي مساحة ما تلتقطه الأذن التي تنفرد بالخاص، وفي الخاص أحاديث ينقلها صوت المتحدث الحزين في كل مرة يحكي فيها عن حلمه الذي سقط أو صوت المتحدث الفَرِح في كل مرة يحكي فيها عن وعده المحمول على ظهر حلم لم يسقط بعد.
«بتعرفي شو يعني أنك تسافري يا ندى؟ يعني أنك تحكي بالأجنبي وتضحكي بالأجنبي، ولك أنتِ عم تتخيلي ضحكتك بالأجنبي؟ أنت ما بتعرفي تضحكي بالأجنبي ما بتعرفي... ولك حتى إذا ضحكتي مين رح يفهم ضحكتك؟ مين رح يحبها، مين رح يفهم النكتة لما تكبّيها؟»، هذا ما التقطته الأذن من الخاص الذي دار بين أحد الجالسين ووجهه إلى الحديقة، ويبدو من حديثه أنه خرج حديثاً من السجن فيتابع قوله لندى: «هون في مين بيشبهك، في مين دفع ضريبة متلك، نحنا هلق قاعدين أنا وأنتِ لأنه مطمئنين أنو دفعنا الضريبة مسبقاً، ضريبة مسبقة على الضحك، كل ضحكة عم نضحكها هلق مدفوع حقها سلف ولقدام كتير، أنا دفعت سنة ونص من عمري بالسجن بتهمة ما إلي فيها وأنتِ دفعتي من عمرك 7 سنين سجن بالحياة كمان ما إلك ذنب فيها، أنا كنت سجين العتمة وأنتِ كنت سجينة الضوء، أنا كنت حبيس مترين بمتر وأنتِ كنتِ حبيسة قنّاص حلم، الشغلة الوحيدة الفرق بيناتنا أنو فاتورتك كانت أغلى وضريبتك كانت أعلى، أنتِ كانت الدني قدامك وما كنتِ قادرة تطلعي برات قلبك، كانت الشمس بوجهك وما كنت قادرة تشوفي أصبعتك، البواب قدامك كلها مفتوحة بس ما قادرة تغادري، الحياة عا بعد خطوات منك وما قادرة تخطي خطوة اتجاهها، أنا ما كنت شوف أصبعتي بالعتمة بس كنت قادر شوف بكرا». ختم الجالس في مكانه حديثه: «ندى، فكّري منيح... دفعتي الضريبة هون مرة، حرام ترجعي تدفعيها مرة تانية بأوروبا».
القشلة في المعنى، هي كلمة تركية الأصل تعني المكان الذي يمكث فيه الجنود أو الحصن أو القلعة أو السراي، أما في لغة وحديث روّادها من الشباب والشابات فهي منديل للدموع وأسفنجة للوجع، هي قنينة «بيرة» تأخذك بعيداً من نزيف الدم والخبز وخزينة الدولة إلى داخل النفس، هناك حيث النزيف ليس دائماً دماً. القشلة كما يقول سورها، هي الحديقة التي لم تتعالَ على روادها، ولم تضع بين مقاعدها ذاك الكرسي المرتفع الذي ينتشلك من روح الشام ودفئها ليغرزك في صقيع المالكي وأبو رمانة، تلك المناطق التي مهما حاولت أن تقترب منها لتجد شيئاً مشتركاً معها، لا تجد منفذاً لك سوى الهرب، ولا تجد بدّاً من الشعور ببرودة الفوارق الطبقية مهما حاولت أن تدفن حواسك.
الحدائق هي تماماً كما المدن وكما الأشخاص، بعضها ينصب لك فخّاً، بعضها يقتلك ببندقية، وبعضها الآخر يصطادك بحديث عابر لعابر سبيل قد يصبح في لحظة صنّارة ما تبقى من عمرك.