كثرت التساؤلات في الآونة الأخيرة حول شكل الحكم المقبل في اليمن، والأخطار التي تتهدّد وحدة الأراضي اليمنية، في ظلّ العجز عن الحسم العسكري، والتباعد الكبير بين أطراف النزاع، وإصرار كل منهم على التمسّك برهاناته، وكذلك خضوع بعضهم للأجندة الخارجية، كـ«المجلس الانتقالي الجنوبي»، الذي يتباهى بـ«التزامه بالأمن الخليجي»، ويرفع شعارات من قبيل «أمن عدن من أمن الرياض وأبو ظبي»، على رغم أن عواصم الخليج تنعم بالرخاء والأمن، فيما تحوّلت عدن إلى ساحة صراع تغرق بالدماء والفوضى.

يُعدّ بعض الطروحات الدائر الحديث حولها حالياً قديماً، من مِثل الأقاليم الستة، أو الإقليمين. أما الطروحات الجديدة فهي تقسّم اليمن على أساس الخريطة العسكرية الراهنة. وهو ما ظهر في حديث وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، أواخر الشهر الماضي، عن إمكانية حصول من سمّاهم «الحوثيين» على منطقة حكم ذاتي، ما يعني أن بقية الأطراف المحلية ستحتفظ بمناطق نفوذها. ويتخذ النقاش حول هذا الطرح جدية في المحادثات السياسية الجارية في الكواليس بين العديد من الدول المؤثرة في الشأن اليمني.
إزاء ذلك، لا يمكن إغفال الحضور القوي للولايات المتحدة في رسم خريطة اليمن الجديد، خصوصاً أنها استبقت المفاوضات السياسية بمحاولة تأمين حصتها من الكعكة عبر عقد اتفاقات مباشرة مع حكومة عبد ربه منصور هادي للتموضع في المناطق والجزر والقواعد الحيوية والاستراتيجية، إضافة إلى حضورها غير المباشر عبر حليفَيها (الرياض وأبو ظبي) في مناطق سيطرتهما. أما السعودية والإمارات فهما أنجزتا أو تحاولان إنجاز ما يلي:
- احتلال جزيرة سقطرى ذات الموقع الاستراتيجي، وتحويل الخدمات التابعة للدولة اليمنية فيها إلى الإدارة الإماراتية.
- مدّ خط أنابيب نفطي سعودي عبر محافظة المهرة باتجاه بحر العرب، وهو ما تواصل السعودية العمل عليه على رغم رفض أبناء المحافظة، والذين تساعد القوى الشرطية التي تخضع لسلطة عبد ربه منصور هادي في قمعهم.
- السيطرة على جزيرة ميون الاستراتيجية في باب المندب، وإجبار سكّانها على مغادرتها.
- السيطرة على منابع النفط والغاز في محافظتي شبوة وحضرموت.
- احتلال المنافذ البحرية والبرية والجوية في جنوب اليمن.
في ما يتصل بتوزّع مناطق النفوذ، يتقاسم النفوذ في المحافظات الجنوبية كل من «المجلس الانتقالي» و«الشرعية». وفيما ينادي فريق من الجنوبيين بالانفصال وتشكيل دولة مستقلة عاصمتها عدن، معتبراً أن الفرصة الآن متاحة لانشغال قوى الشمال بالحرب مع «التحالف»، يعتقد فريق آخر أن ثمة قابلية للانشطار والتجزئة في الجنوب، والعودة إلى تقسيمات الاحتلال البريطاني، والتي تدور معلومات عن تأييد إماراتي لإعادة إحيائها بهدف تسهيل السيطرة على الجنوب في المستقبل. وفي مأرب، يشكّل «التجمع اليمني للإصلاح» (إخوان) ما يشبه حكماً ذاتياً، في حين يتنازع النفوذ في تعز كل من «الإصلاح» والسلفيين بقيادة «كتائب أبو العباس» المدعومة من الإمارات. أما المحافظات الأكبر من حيث عدد السكان فهي تحت سيطرة حكومة الإنقاذ وحركة «أنصار الله».

تدور معلومات حول تأييد إماراتي لإعادة إحياء التقسيمات البريطانية للجنوب


حرصت السعودية في العقود الماضية على إبقاء اليمن موحّداً، مع سلطة مركزية تدين لها بالولاء الكامل. ولكن، وأياً كانت درجة الولاء تلك، فإن السعودية لا تتخلّى عن اشتغالها المستمر على جعل اليمن ضعيفاً، وبعيداً من كل مصادر القوة أو ما يؤهّله لانتهاج سياسة مستقلة. طوال فترة الحرب، لم يصدر عن الجانب السعودي الرسمي أي تلميح إلى نيته القبول بتقسيم اليمن، وكان يحاول مداراة الحلفاء في الجنوب عبر التظاهر ضمناً بإمكانية الموافقة على الانفصال. يتصل ذلك بأن السعودية حدّدت لحربها هدفاً هو إعادة اليمن إلى وصايتها الكاملة مهما كانت التكلفة، وما استمرارها في الحرب على رغم العجز إلا مكابرة وعناد بعيداً من الحسابات المنطقية، بل كلّما مضى الوقت كلّما غرقت الرياض أكثر في المستنقع اليمني، وهذه حقيقة معروفة، وسمعها المسؤولون السعوديون من معظم حلفائهم في السنة الأولى للحرب.
لا يُرجّح أن تتمكّن أطراف الصراع، في المفاوضات المزمع عقدها في السويد في الأسابيع المقبلة، إحداث خرق في الجدار السميك للأزمة على مستوى القضايا الجوهرية. وستستعيض الأمم المتحدة عن ذلك بالبحث في ما يشكّل حاجة ملحّة للجميع، من قبيل تحسين الوضع الاقتصادي والعملة الوطنية، وتبادل الأسرى، وتسهيل العمل الإنساني وغيرها. وفي حال لم تستطع المفاوضات المقبلة تحقيق الأهداف السعودية، فإن الخطة السعودية التالية هي تفتيت اليمن وإبقاؤه مشظّى، مع إدامة بذور الفرقة والانقسام والاختلاف لتأجيج الصراعات بين مناطقه وقبائله وفئاته.