في أول مؤشر على تقدم المفاوضات التركية ــــ الأميركية بشأن مناطق شرقي الفرات، بعد التصعيد العسكري الأخير من الجانب التركي، كشف وزير الدفاع الأميركي جايمس ماتيس، أن قوات بلاده في شمال شرقي سوريا ستقيم «نقاط مراقبة» في عدة مواقع على طول الحدود المشتركة مع تركيا، بهدف تحذير الأخيرة من أي تهديدات محتملة من الجانب السوري. وأكّد أن مهمة هذه النقاط ستكون منع وقوع أي اشتباكات بين تركيا و«قوات سوريا الديموقراطية». هذا التطور لا يخرج عن سياق التعاون الأميركي ــــ التركي المشترك، وهو يلبّي مطالبات أنقرة المتكررة بتعميم ما جرى التفاهم عليه في منبج، ليشمل شرقي الفرات. وظهرت أولى علاماته، ضمن حديث وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أول من أمس، خلال لقاء نظيره الأميركي مايك بومبيو في واشنطن. إذ أشار جاويش أوغلو حينها، إلى أن فرقاً تركية وأميركية ستجتمع «خلال الأيام المقبلة» لتطبيق «خريطة الطريق» المعمول بها في منبج، في مناطق أخرى في سوريا.

وتشابهُ تطورات المنطقة الحدودية الشمالية بين نهري الفرات ودجلة، ما جرى في منبج على مدى أشهر، حيث بدأت الدوريات الأميركية العمل إلى جانب «قوات سوريا الديموقراطية» لمنع الاستهدافات التركية، فيما ينتظر أن تتعاون مع الجيش التركي في وقت لاحق، لتسيير دوريات متزامنة على طول الحدود. ويبقى الاختلاف الأبرز بين منبج وشرق الفرات، في الشروط التركية الخاصة بوجود «وحدات حماية الشعب» الكردية، إذ أصرّت أنقرة سابقاً على انسحابها من منبج (قبل تسيير الدوريات المشتركة مع القوات الأميركية)، وكرّرت المطالب نفسها في شرقي الفرات. ومن الجليّ أن مركزية «الوحدات» الكردية في بنية «قسد»، ووجود عناصرها كجزء من النسيج الاجتماعي لمناطق الجزيرة السورية، يجعل مطلب رحيلها غير قابل للتطبيق. وهذا ما قد يشكل النقطة الأكثر تعقيداً في وجه النقاشات الأميركية ــــ التركية، ويؤثر بعمل «التحالف الدولي» في شرق سوريا، بما في ذلك العمليات ضد تنظيم «داعش». وفي سياق متصل، قال وزير الدفاع الأميركي إن بلاده طلبت من «قسد» التركيز على محاربة «داعش» في وسط وادي نهر الفرات. ورفض ماتيس تحديد موعد محدد لإنهاء عمليات قوات بلاده العسكرية هناك، مضيفاً أن «تحرير آخر معاقل داعش... عملية معقدة». ويعوّض «التحالف» قلّة فاعلية عملياته البرية ضد التنظيم، بتكثيف القصف على بلدات وادي الفرات، إذ وصل عدد الضربات الجوية والمدفعية التي نفذها «التحالف» في محيط بلدة هجين، إلى 168 استهدافاً خلال الفترة بين 11 و17 تشرين الثاني الجاري.

وصل عدد ضربات «التحالف» في محيط هجين إلى 168 خلال أسبوع


وفي انتظار أن تتضح المقاربة التركية لـ«خطة» شرق الفرات، ستبقى أنقرة مشغولة بملف إدلب ومحيطها بعد أول خطوة عملية تؤشر على إرادة روسية في استعجال تنفيذ «اتفاق سوتشي». إذ زار وزير الدفاع التركي خلوصي أكار ورئيس الاستخبارات الوطنية حقان فيدان، مدينة سوتشي الروسية أول من أمس، بناءً على دعوة من وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو. وتُذكّر هذه الزيارة غير المعلَنة مسبقاً، بالنشاط العسكري الروسي ــــ التركي المشترك قبل إعلان مذكرة التفاهم الخاصة بمحيط إدلب. ووفق ما نقلت وكالة «تاس» الروسية، فإن شويغو قال خلال الزيارة مخاطباً نظيره التركي: «دعوناك، لأن الوضع في سوريا يحتاج قراراً سريعاً من قبلنا ونقاشاً للقضايا الملحّة... إذ يجب الحفاظ على الديناميكيات التي كسبناها بعد التوقيع على الوثائق (حول إدلب) في سوتشي، ومعالجة القضايا الباقية من دون فقدان الزخم». هذا التصريح الروسي الأول من نوعه، قد ينعكس على التطورات الميدانية في إدلب خلال وقت قريب، إذ ينص «اتفاق سوتشي» على تعاون كل من روسيا وتركيا في محارية التنظيمات الإرهابية التي ترفض التزامه ضمن المهل المحددة. وفي مقابل اللّين الذي أبدته موسكو حيال الجدول الزمني الخاص بالاتفاق، أكدت دمشق أنها ستنتظر الموقف الروسي تجاه «عدم الالتزام» التركي، وسط رفض أوساط شعبية سورية، لاستمرار الخروقات على أطراف المنطقة «المنزوعة السلاح»، التي تطاول ريفي حماة واللاذقية، إلى جانب أحياء حلب الغربية. ولم يخرج ــــ حتى الآن ــــ ما يشير إلى توصل الطرفين الروسي والتركي إلى تفاهمات على مهل زمنية جديدة أو تحرك على الأرض، من شأنها تحفيز الاتفاق الذي بقي مجمّداً لأكثر من شهر.