يبدو أن التطبيع الخليجي مع إسرائيل والتراكض نحوها لا حد له، وبات يتجاوز أصل التطبيع إلى مستويات التماهي والاندفاع لتحقيق المصالح الاقتصادية للعدو، حتى وإن جاءت على حساب اقتصاد الأنظمة الخليجية نفسها.

ماذا يعني أن تساهم إمارة أبو ظبي في إنشاء أنبوب نقل الغاز الإسرائيلي إلى القارة الأوروبية، التي تقول تل أبيب نفسها أنه يؤدي إلى إنهاء عشرات السنوات من التأثير العربي في الغرب عبر سوق الطاقة؟ المسألة ليست مسألة تجاوز القضية الفلسطينية وحسب، بل تماه أعمى مع العدو على حساب الذات.
في ذلك، كشفت تل أبيب أمس عن «أحد أهم الإنجازات الاقتصادية الإسرائيلية في العقود الأخيرة»، والمتمثل بالاتفاق على مشروع أنبوب نقل الغاز الإسرائيلي إلى القارة الأوروبية، بمشاركة عدة دول أوروبية وسيطة، مع تأكيد على تمويل مالي لافت من جانب الإمارات العربية المتحدة. وذكرت «القناة ١٣» العبرية في تقرير لها أمس، أنه بعد عامين من المفاوضات والنقاشات المتواصلة بين إسرائيل وثلاث دول أوروبية، هي اليونان وقبرص وإيطاليا، وبرعاية أيضاً من قبل الاتحاد الأوروبي، جرى الاتفاق على مد أنبوب غاز يربط إسرائيل بأوروبا ويسمح لها نقل غازها إلى دول البلقان ووسط القارة.

خطوة الأنبوب هي خطوة وقائية استباقية لمواجهة الغاز اللبناني


الأنبوب الذي يعد الأطول والأعمق عالمياً، إذ سيبلغ طوله ألفي كيلومتر وعمقه ٣.٥ كيلومترات، كان قد عرضه للمرة الأولى في أبو ظبي وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس، واستحصل في حينه من الإمارة الخليجية على موافقة استثمار أولي بقيمة ١٠٠ مليون دولار.
ونوهت القناة بانتهاء المفاوضات المكثفة بين إسرائيل والدول الثلاث، وأنه تحدد طرح الاتفاق الذي توصلت إليه على الاتحاد الأوروبي خلال الأسبوع المقبل، فيما يباشر العمل بالخطوات التنفيذية في الأشهر المقبلة. ويشير تقرير القناة إلى أن تدفق الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا يبدأ بعد خمس سنوات، ما سيؤمن لتل أبيب مبالغ مالية هائلة. من بين البنود الهامة في الاتفاق، أفضلية لإسرائيل وقبرص لتصدير غازيهما لأوروبا عبر الأنبوب، وكما ذكر سابقاً كانت إسرائيل اشترطت أن لا يستخدم الأنبوب لنقل الغاز اللبناني إلا بعد موافقة إسرائيلية مسبقة.
الواضح من ديباجة أنبوب الغاز البحري الإسرائيلي والجهد الكبير الذي واكبه من قبل المؤسسات والجهات الدولية التي تسعى أيضاً إلى تأمين مصالح إسرائيل الاقتصادية، هو تأمين أسبقية إسرائيلية باتجاه السوق الأوروبية، مع إغراء قبرص لمشاركة إسرائيل هذه السوق ومنع التضارب والمنافسة بينهما.
كان الواضح أيضاً من المسارعة الإسرائيلية في التفكير بالأنبوب البحري هو مواجهة أفضلية جيوسياسية للغاز اللبناني على رغم أن بوادره لم تكن محددة بعد في حينه. خطوة الأنبوب هي خطوة وقائية استباقية لمواجهة الغاز اللبناني، قبل أن يباشر لبنان باستخراج غازه وعرضه في السوق الدولية، والأوروبية تحديداً.
وقال وزير الطاقة الإسرائيلي إن الأنبوب ينعي عقوداً مما كنا نشكو منه من تأثير للنفط والغاز لدى العرب على الدول الأوروبية، إذ إن إنشاء هذا الأنبوب يحوّل إسرائيل إلى ثقل معادل إلى حد ما للثقل العربي في مجال التأثير الدولي من خلال الطاقة.