لا تقتصر أبعاد موقف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن دور النظام السعودي في حماية وجود إسرائيل وأمنها على السياق التوظيفي الداخلي في السجال حول حماية ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، التي شكلت السبب المباشر والجوهري في الكشف عن هذه الحقيقة في هذه المرحلة بالذات. ومع أن إسرائيل بلغت من القدرات العسكرية والتدميرية والتكنولوجية ما لم تكن عليه في أي مرحلة في تاريخها، فإن ترامب لم يجد في ذلك ضمانة لوجودها وأمنها، بل أقر ضمناً في التأكيد على أن «إسرائيل كانت ستقع في مآزق كبيرة لولا السعودية»، بهشاشة مكانتها الاستراتيجية، بالاستناد إلى قدراتها الذاتية، في ضوء تطور معادلات القوة في مواجهة محور المقاومة. وأظهر أيضاً بصراحة ومباشرة حجم الدور الذي يؤديه النظام السعودي في استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي، وهو بدوره يسلط الضوء على السياق الاستراتيجي للحروب التي خاضتها سوريا والعراق ولبنان في مواجهة الإرهاب، وعلاقتها المباشرة أسباباً وأهدافاً بمعادلات الصراع مع إسرائيل، وصولاً إلى الحرب التي تشنها الرياض على الشعب اليمني لإخضاعه والحؤول دون النهوض ببلده.

ومع أن الموقف الذي أطلقه الرئيس الأميركي ليس جديداً ــــ في خطوطه العامة ــــ على الساحتين السياسية والإعلامية، وسبق أن تناوله العديد من التحليلات والمواقف التي صدرت على ألسنة قادة ومسؤولين وخبراء ينتمون إلى محور المقاومة، فإن التعامل معه جاء في سياق التجاذب والصراع الإقليمي في المنطقة. لكن هذا المضمون نفسه وبالصراحة والدقة التي صدرت على لسان رأس المحور الغربي، في المنطقة والعالم، يصبح له مع التوصيف والتقدير معانٍ ورسائل قادرة على اختراق بيئات سياسية وثقافية محدَّدة. والمرحلة التي بلغها التحالف السعودي ــــ الإسرائيلي (الانفتاح الخليجي العلني على إسرائيل أحد مظاهره وثماره) يدفع إلى تبني فرضية أن النظام السعودي سيرحب ضمناً بما عرضه ترامب من دور سعودي في دعم إسرائيل، كونه أتى في سياق الدفاع عن الوجود (الاستمرار في منصب ولاية العهد) الذي تهون دونه ما يرى أنها «أضرار جانبية» لا بد منها.

سيرحّب النظام السعودي ضمناً بما عرضه ترامب من دور في دعم إسرائيل


أما على المستوى الإسرائيلي، فمن أهم الرسائل التي انطوى عليها موقف ترامب أنه أقر علناً بأن استمرار إسرائيل في هذه المنطقة لم يكن فقط نتيجة توازنات ترتكز إلى قدراتها الاستراتيجية والعسكرية، مع أنها تمتلك قدرات دولة عظمى إقليمية، وأحدث التكنولوجيا العالمية، إنما الركيزة الأهم في تثبيت احتلالها فلسطين تكمن في الأنظمة العربية التي تؤدي دوراً وظيفياً في حماية وجودها وأمنها. حول هذه الدلالات يأتي ما أوضحه عضو «لجنة الخارجية والأمن» التابعة للكنيست، عومر بار لِف، تعقيباً على موقف ترامب، بالقول: «لم أكن أعرف أن وضعنا هش إلى هذه الدرجة». يعكس هذا الموقف حضور هذه الدلالات التي تُظهر حجم الأخطار التي تحدق بإسرائيل مقابل محور المقاومة، الأمر الذي يستوجب أداء دور مباشر من النظام السعودي بما يملكه من إمكانات مالية وقدرة على التجييش المذهبي لحمايتها.
وذهب بار لِف إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما تساءل: هل همس نتنياهو للرئيس الأميركي بهذه الحقيقة. ولم ينبع تساؤله من فراغ، بل أتى بعدما انتقل نتنياهو إلى مرحلة المناشدة العلنية للولايات المتحدة، خلال كلمة في العاصمة المجرية بودابست، قبل نحو 20 يوماً، بشأن مراعاة الأولويات الاستراتيجية الإسرائيلية عبر حفظ استقرار النظام السعودي، وابن سلمان، لدى معالجة عملية قتل الصحافي جمال خاشقجي. الوجه الآخر لهذا المفهوم (هشاشة مكانة إسرائيل الاستراتيجية الذاتية) الذي لم يكن بإمكان محور المقاومة بما يملكه من إمكانات إعلامية أن يروج له في أنحاء العالم، وتحديداً في المنطقتين العربية والإسلامية، هو أن النظام السعودي يحتل مكانة أساسية في استراتيجية الدفاع عن الوجود والأمن القومي الإسرائيلي. ومع أنه اضطر إلى تلك الصراحة في سياق توظيفي للداخل الأميركي، في محاولة لتبرير دعم بقاء ولي العهد السعودي في منصبه، فإنها على مستوى المضمون كانت كافية لتظهير هذه الدلالات ونشرها في العالم كافة.
في المقابل، كان يفترض أن تكون إسرائيل في أفضل ظرف استراتيجي تاريخي لم يكن ليخطر على بال مؤسسيها الأوائل، وتحديداً في أعقاب معاهدات التسوية التي عقدتها مع عدد من الأطراف العربية، وتم بها تحييد أكبر دولة عربية عن الصراع، مصر، وشرعنة الدور الذي يقوم به النظام الأردني في حماية حدودها الشرقية، ثم أتت الحروب التي خاضتها سوريا والعراق ولبنان في مواجهة الإرهاب الذي كان يفترض به استكمال الطوق العربي الحامي لإسرائيل. لكن الانتصارات التي حققها محور المقاومة، من إيران إلى العراق فسوريا ولبنان، وصولاً إلى داخل فلسطين، أفضت إلى احتواء مفاعيل هذا المسار التطبيعي، والارتقاء إلى مرحلة جديدة في معادلات الصراع، ما دفع ترامب إلى الإقرار بأنه دون الدور الذي قام به النظام السعودي ويقوم به، هناك خطر أن «ترحل إسرائيل».