عشية «قمة العشرين» التي يُحتمل أن تسفر عن بعض المؤشرات الكاشفة في ما يتصل بقضية جمال خاشقجي، واصلت إدارة دونالد ترامب تحدّي المشرعين، الذين لم يقتنعوا بمرافعة جيمس ماتيس ومايك بومبيو عن محمد بن سلمان. تحدٍّ يبدو أنه بدأ ينعكس تراجعاً تدريجياً في الموقف التركي، على رغم أن الكونغرس يظهر إصراراً على المضي في معركته، بما من شأنه تضييق الدائرة على ترامب وحليفه السعودي.

لم تُفلح إفادتا وزيرَي الخارجية والدفاع الأميركيين، مايك بومبيو وجيمس ماتيس، أمام مجلس الشيوخ، في تهدئة المُشرّعين الغاضبين على تعامل الإدارة مع قضية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي. سُرعان ما جاء الرد في التصويت على رفع مشروع القرار المطالِب بإنهاء الدعم الأميركي لتحالف العدوان على اليمن إلى لجنة العلاقات الخارجية. وهو ردّ يُتوقّع أن يتصاعد خلال الأيام المقبلة في ظلّ إصرار إدارة دونالد ترامب على التمسّك بولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ومن شأن هذا التصاعد المحتمل أن يشكّل عاملاً تحفيزياً لأنقرة، التي أدّت شراسة البيت الأبيض في الدفاع عن ابن سلمان إلى تضعيف محاولاتها معاقبة الأخير وإزاحته. ومع ذلك، فإن القضية لا تزال مفتوحة على أكثر من احتمال، ربّما تستبين مؤشراتها في «قمة العشرين»، التي تنعقد اليوم وغداً في بوينس آيرس.
وعلى رغم لجوئهما إلى رفع لافتة «الأمن القومي الأميركي» في دفاعهما عن ضرورة حماية ولي العهد، وعدم اتخاذ خطوات يمكن تصنيفها في إطار الضربات المباشرة للسياسات السعودية، إلا أن الردود على إحاطتَي بومبيو وماتيس جاءت، حتى من داخل الحزب الجمهوري، مخالفة لما تشتهيه الإدارة. إذ أشار بعض أعضاء مجلس الشيوخ إلى «(أننا) ندرك أن السعودية حليف نوعاً ما... (ولكن) لدينا أيضاً ولي عهد خارج عن السيطرة» على حدّ تعبير السيناتور الجمهوري بوب كوركر، الذي حذر من أن «الكونغرس سيتحرك إذا لم تتحرك الإدارة». وأعلن السيناتور الجمهوري، ليندزي غراهام، من جهته، أنه سيحجب صوته عن أي قضية مهمّة حتى تقوم وكالة الاستخبارات المركزية بإطلاع المشرّعين على حقيقة الأدلة المتوافرة لديها بشأن مقتل خاشقجي. وترافقت ردود الفعل تلك مع تصويت معظم أعضاء مجلس الشيوخ (63 جمهورياً وديموقراطياً) على إحالة مشروع قرار، كان قد أعدّه كل من السيناتور المستقل بيرني ساندرز والديموقراطي كريس مورفي والجمهوري مايك لي، إلى النقاش، تمهيداً للتصويت النهائي عليه الأسبوع المقبل. وقال مورفي، خلال جلسة التصويت، إن «أمام مجلس الشيوخ خيارين: إنهاء الدعم الأميركي للسعودية في حربها في اليمن، أو البقاء ضالعاً في أكبر أزمة إنسانية في العالم».

أعلن إيمانويل ماكرون أنه سيلتقي ابن سلمان في بوينس آيرس


وعلى رغم أن تأييد 14 جمهورياً (إلى جانب 49 ديموقراطياً) للمشروع الداعي إلى وقف الدعم الأميركي لعمليات «التحالف»، قد يكون من باب التكتيك الهادف إلى تصعيد الضغوط على إدارة ترامب حتى تبدّل موقفها، وأن هذه النتيجة ليس محتوماً استمرارها خلال المناقشات والتصويت النهائي، إلا أن تضافر المؤشرات على أن «البيت الأبيض لن يعترف بالتورط المباشر لولي العهد في الجريمة» على حدّ تعبير السيناتور ديك دوربن، وأنه «ليس لدى الإدارة خطة لإنهاء الحرب في اليمن» وفق تأكيد مورفي، ربما يتيح للديموقراطيين الاحتفاظ بهذا التقدم الكبير قياساً بما تمّ إحرازه في آذار/ مارس الماضي عندما صوّت 44 عضواً فقط لمصلحة مشروع «لي ساندرز». ولعلّ ذلك هو ما قصده مورفي بقوله إن «السعوديين تجاوزوا الحدود... وارتكبوا خطأً استراتيجياً بقتل خاشقجي، ولذا تغيّرت أمور كثيرة في الشهور الأخيرة». التغيّر الذي يتطلّع إليه الديموقراطيون، وجزء مهم من الجمهوريين لا يقتصر على نفض اليد من حرب اليمن التي «خرجت عن القضبان»، بل يشمل أيضاً البحث عن «أشخاص جدد يمكن التعامل معهم»، أي بمعنى آخر سحب البساط من تحت قدمَي ابن سلمان، وتزكية عملية انتقال للسلطة داخل السعودية، تحت طائلة البقاء في «مشكلة دائمة» مع الكونغرس.
تهديد يُفترض أن يدفع، جنباً إلى جنب، التيار الضاغط من جهة وسائل الإعلام، إدارة ترامب نحو إعادة حساباتها تجنّباً لأي معارك من شأنها تعقيد حركة الرئيس، لكن الإدارة تبدي إلى الآن مقاومة كبيرة لتلك الضغوط. وهي هدّدت، أمس، عقب تصويت مجلس الشيوخ، بنقض القرار، رافضة توصيف الدعم الأميركي لـ«التحالف» على أنه مشاركة في الحرب، ومجددة القول إن هذا الدعم «ضروري لمحاربة التنظيمات الإرهابية، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية إلى اليمن» وفق بيان صادر عن البيت الأبيض. وأعقب ذلك البيان قيام البنتاغون بعرض ما قال إنها بقايا أسلحة إيرانية كانت في حوزة حركة «أنصار الله» في اليمن، وحركة «طالبان» في أفغانستان. ويستهدف العرض الأميركي، الثاني من نوعه في غضون عام، تدعيم سردية إدارة ترامب عن أولوية «الخطر الإيراني»، وضرورة الحفاظ على الاستقرار في السعودية من أجل مواجهته.
وهي سردية يظهر ترامب ومساندوه مستعدين للمضي حتى النهاية في الدفاع عنها ومحاولة تثبيتها، الأمر الذي من شأنه وضع مزيد من العقبات أمام السعي التركي إلى إطاحة ابن سلمان، وخصوصاً أن أنقرة تعتمد في مساعيها تلك على الضغط السياسي والإعلامي، وتخشى الإقدام على خطوات دراماتيكية قد تتسبّب في قطع «شعرة معاوية» مع الرياض، أو الإضرار بالتقارب الأخير مع واشنطن. ولربما يسهم اللقاء المنتظر بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وولي العهد السعودي، على هامش «قمة العشرين»، والذي أبقته تركيا حتى يوم أمس في خانة «الممكن غير المؤكد»، في حسم مآلات ذلك التردد، علماً بأن زعيم حزب «العدالة والتنمية» الحاكم لم يأت على ذكر السعودية في تصريحاته الصحافية من مطار إسطنبول، وأن مصدراً سياسياً تركياً رفيع المستوى استبق سفر إردوغان بالقول لـ«رويترز» إن «السعودية دولة مهمة لتركيا... ولا أحد يريد إفساد العلاقات بسبب مقتل خاشقجي». حقيقة تشمل أيضاً، وبالدرجة الأولى، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أعلن أمس أنه سيلتقي ابن سلمان في بوينس آيرس، في تجلّ جديد لرغبة فرنسا في إغلاق ملف خاشقجي.