القاهرة | دخلت العلاقات المصرية ـــ الإيطالية النفق المظلم مرة أخرى على المستوى الرسمي، بعد تحسن دام نحو عامين، على خلفية الاتفاق على استكمال «التعاون الوثيق» بين النيابة العامة المصرية ونظيرتها الإيطالية، وهو ما جرى فعلاً على مدار أشهر عُقدت خلالها اجتماعات على مستوى رفيع بين النائب العام المصري، المستشار نبيل صادق، ومعه فريق من المحققين المصريين، ونظيره الإيطالي، سيرجيو كولايوكو، وفريق محققين معه، في محاولة للوصول إلى الضالعين في قتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الذي عُثر على جثته في منطقة صحراوية في مدينة 6 أكتوبر بعد أيام من اختفائه مطلع شباط/ فبراير 2016.

خلال التحقيقات، التي استمرت نحو عامين، قالت القاهرة إنها أعطت تسهيلات للجانب الإيطالي في ما يتعلق ببعض النقاط التي يمكن أن تؤدي إلى الحقيقة، ومن بينها التراجع المصري عن رفض تسليم محتويات كاميرات المراقبة لمحطة المترو التي كان يتردد عليها ريجيني، وهي آخر مكان شوهد فيه، بالإضافة إلى تفاصيل بعض التحقيقات الداخلية، علماً بأن روما تتمسك من البداية بتأكيدها تورط ضباط مصريين في القضية، من جهات أمنية وعسكرية. ورغم قتل السلطات المصرية 6 مدنيين كانوا في سيارة نقل والادعاء أنهم تنظيم مسؤول عن قتل ريجيني، فإن المستشار صادق، نفى رسمياً للإيطاليين في وقت لاحق أي علاقة بينهم وبين القضية، رغم أن الداخلية المصرية سبق أن أعلنت في بيان رسمي العثور على بعض متعلقات ريجيني في منزل أحد الستة المقتول.
في اللقاء الأخير مع المحققين الإيطاليين في القاهرة قبل نحو يومين، أصدر صادق بياناً يؤكد فيه أن الأمور «تسير بالاتجاه السليم»، لكن الجانب الإيطالي طلب إخضاع ضباط عسكريين وشرطيين للتحقيق للمرة الأولى، على أن يصل وفد إيطالي للاستماع إليهم نهاية الأسبوع المقبل، بشرط أن تُعقد جلسات التحقيق الأولية في العاصمة المصرية. وتزامن ذلك مع تسريب الإعلام الإيطالي حديثاً عن توجيه الاتهام إلى سبعة مصريين، من بينهم مسؤولون في «الأمن الوطني»، ذُكرت أسماؤهم في بداية القضية، خاصة بعد إعلان الأجهزة الأمنية أن ريجيني خضع لرقابة رسمية بسبب نشاطه البحثي، لكن غالبية هؤلاء الضباط جرت ترقيتهم في حركة الضباط التالية مباشرة من وزير الداخلية شخصياً، في تأكيد واضح لتبرئتهم من قتل ريجيني.

من المقرر وصول وفد إيطالي إلى مصر للاستماع إلى إفادة ضبّاط


وبينما يزداد الرفض المصري لتسليم أي رجل أمن لروما، أعلن رئيس مجلس النواب الإيطالي، روبيرتو فيكو، تعليق العلاقات مع مجلس النواب المصري، مؤكداً أن هذا القرار جاء «حتى يجري التوصل إلى نقطة تحول حقيقية في التحقيقات ومحاكمة حاسمة»، علماً بأن موقف فيكو جاء بعد ساعات من البيان المشترك للنيابتين المصرية والإيطالية، الذي أكد «تبادل الجانبين وجهات النظر في مناخ من الإيجابية، إذ عرض الوفد الإيطالي نتائج ما توصلت إليه تحقيقاته بشأن أبحاث الدكتوراه التي كان يجريها ريجيني، كذلك عرض الجانب المصري نتائج الفحص الفني الدقيق لتسجيلات كاميرات محطات مترو الأنفاق المسترجعة، خاصة في الجزئية الخاصة بالمنطقة المعتمة في تلك التسجيلات».
فيكو زاد على إعلانه بتشجيع المدعي العام في روما على فتح سجل تحقيقات لمشتبه فيهم ينتمون إلى أجهزة الأمن المصرية، ووصفه بالتوجه «الصائب والشجاع»، مضيفاً في تصريحات تليفزيونية: «لأن مكتب المدعي العام في القاهرة لم يحرز تقدماً في التحقيقات، فإن مكتب المدعي العام في روما على حق». وقال المسؤول الإيطالي إنه سبق أن أخبر الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل شهرين أنهم في طريق مسدود، لكنه تلقى طمأنة منه، «مع ذلك، حتى الآن لم يجرِ التوصل إلى أي نتيجة ملموسة». أما البرلمان المصري، فأعرب عن أسفه لما وصفه بـ«استباق مجلس النواب الإيطالي الأحداث ومحاولة القفز على نتائج التحقيقات التي تجري في القضية»، مؤكداً تمسكه بـ«سيادة القانون وعدم التأثير أو التدخل في عمل سلطات التحقيق، وأن الإجراءات الأحادية في القضية لا تحقق مصلحة البلدين ولا تخدم جهود كشف الحقيقة والوصول للعدالة»، ومضيفاً في بيان أمس، أن «الدولة المصرية صاحبة مصلحة أكيدة في الكشف عن ملابسات واقعة مقتل ريجيني، لأن الواقعة حدثت على أراضيها».
وفي وقت متأخر مساء أمس، قال بيان للخارجية الإيطالية إنه جرى استدعاء السفير المصري لدى روما، من أجل «حثّ مصر على احترام تعهدها التحرك سريعاً لمحاكمة المسؤولين عن مقتل الباحث جوليو ريجيني... عبّر الوزير (إنزو) موافيرو عن حاجة إيطاليا أن ترى تطورات ملموسة في التحقيق، لأن هناك عدم ارتياح شديد» فيما يتصل بتطور القضية.