وسط انقسام حاد في المواقف، بين الأطراف اليمنية، بشأن معظم الملفات على طاولة مشاورات السلام المنعقدة في السويد، يبدو مصير مدينة الحديدة، أحد البنود الأكثر تعقيداً، باتجاهه نحو طريق مسدود، فيما لم تحقق الملفات الخمسة الأخرى، وهي مطار صنعاء المغلق منذ عامين، والبنك المركزي المنقسم بين عدن وصنعاء، ومصير تعز، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المتضررين، وإطلاق سراح الأسرى، أي تقدم يذكر، سوى ذلك الأخير، الذي يعتريه التأجيل منذ يومين. فبشأن الحديدة، أتت ردود الفعل من قبل وفد حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، أمس، سلبية على اقتراح قدمته الأمم المتحدة، الأحد الماضي، لوقف الحرب في المدينة، إذ اعلن رفضه الاقتراح الذي كانت «أنصار الله» قد وافقت عليه، مصراً على ما كان يشترطه بتسليم المدينة ومينائها لقواته، للعب الأمم المتحدة دوراً في المدينة الساحلية.

تنص المبادرة على وقف العمليات العسكرية في الحديدة، وأن تلتزم الأطراف «عدم استقدام تعزيزات عسكرية» إلى المحافظة. وتدعو إلى انسحاب متزامن لكافة «المجموعات المسلحة إلى خارج» المدينة ومينائها، ثم تُشكَّل «لجنة أمنية وعسكرية مشتركة»، متفق عليها من الطرفين، بمشاركة الأمم المتحدة، لـ«الإشراف على تنفيذ الترتيبات الأمنية» الخاصة بالمدينة، على أن تتولى الأمن فيها «قوات محلية»، بإشراف من «اللجنة المشتركة». أما بالنسبة إلى الميناء، الذي يُعَدّ شرياناً حيوياً يمرّ عبره نحو 90% من الإمدادات الغذائية إلى البلاد، فإن المبادرة تنص على أن يخضع إدارياً للمسؤولين المعيّنين الذي كانوا في عام 2014، بينما تقوم الأمم المتحدة بدور «قيادي» في الإشراف على عمليات التشغيل والتفتيش في الميناء والموانئ الأخرى في المحافظة، على أن تنشر عدداً من «مراقبي آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش» في الموانئ، وفق تفويض من قبل مجلس الأمن الدولي. أما إيرادات الموانئ، فتقترح المبادرة تحويلها إلى فرع للمصرف المركزي اليمني في الحديدة لدفع رواتب الموظفين.
على رغم أن الاقتراح الأممي يحقق انسحاب «أنصار الله» من المدينة، التي لم تتخلّ عنها بالقوة العسكرية، ويعرض على الطرف المهاجم المشاركة في لجنة أمنية وعسكرية لإدارة المدينة، مقابل مجرد وقف خرق الهدنة، إلا أن وفد حكومة هادي جدد، أمس، على لسان وزير خارجيتها، ورئيس وفدها، خالد اليماني، الشرط بأن تكون المدينة تحت سيطرة حكومته، للقبول بدور للأمم المتحدة في الإشراف على الميناء (لا المدينة). وأشار إلى أن حكومته مستعدة للقبول ببقاء عائدات الميناء في فرع البنك المركزي في المدينة، فيما جدد عضو الوفد، علي عشال، أن تسليم المدينة يجب أن يكون لـ«قوات الأمن في وزارة الداخلية» التابعة لحكومته، وتسليم الميناء لـ«قوات خفر السواحل بالوزارة ذاتها»، معتبراً أنه لا يمكن التعاطي مع أي أفكار خارج إطار المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار رقم 2216، الذي ينص، في أبرز بنوده، على انسحاب «أنصار الله» من المناطق التي سيطروا عليها.
الطريق المسدود في الحديدة يعرقل ملفات ثلاثة أخرى على الطاولة، شُكّلَت لها لجان من الوفدين، للعمل عليها بنحو منفصل، وهي الإفراج عن الأسرى، وانسحاب «أنصار الله» من محيط مدينة تعز، وحلحلة الوضع الاقتصادي.
إجراء تبادل الأسرى والمعتقلين، الملف الوحيد الذي حقق تقدماً منذ الخميس، يشهد أيضاً تعطيلاً وتنصلاً، إذ لم يلتزم وفد حكومة هادي تسليمَ الكشوفات، رغم طلبه أول من أمس، مهلة إلى الأمس، في حين أن التسليم محدد بآلية تنفيذية مزمنة، يهدف غريفيث من خلالها، إلى إطلاق سراح كل الأسرى خلال وجود الطرفين في السويد. أما في ملف مدينة تعز، فلا يزال النقاش بين الطرفين على مسودة اتفاق اقترحته عليهما الأمم المتحدة من دون أي تقدم، وينص الاتفاق على وقف إطلاق النار، وتشكيل «مجموعة عمل» من الأطراف المتنازعة بمشاركة الأمم المتحدة، لمراقبة وقف إطلاق النار، وإعادة فتح الطرق والمعابر، ثم المطار أمام العمليات الإنسانية. والحال نفسه، بشأن قضية مطار صنعاء المغلق منذ أكثر من ثلاث سنوات، بسبب الغارات الجوية، فلا تراجع من قبل حكومة هادي عن شرط تفتيش الطائرات أولاً في المطارات الخاضعة لسيطرتها.

الطريق المسدود في الحديدة يعرقل ملفات ثلاثة أخرى على طاولة المشاورات


وفيما تتجه المشاورات في كافة الملفات الستة نحو التعقيد، هدد غريفيث بأنه في حال فشل الجولة الراهنة سيذهب إلى مجلس الأمن، ويُفصح عن الطرف المعرقل، وحدد تاريخ 14 كانون الأول/ ديسمبر الحالي، موعداً لإنهاء المشاورات. أما في حال تواصُل المشاورات، فستكون في مكان آخر غير السويد، على أن تُعقد في النصف الثاني أو آخر كانون الثاني/ يناير المقبل، وربما تستضيفها الكويت. ما بين التاريخين الآنفين الذكر، ثمة ما تنتظره الرياض للخروج من السويد من دون تقدم، لعل الموقف الدولي الضاغط، هو أكثر ما تخشاه، لفعاليته في إيجاد المخارج للحرب، وهو ما أشار إليه مصدر أممي مشارك في المحادثات لوكالة «رويترز» بالقول إنه «إذا لم نحظَ بدعم الدول الفاعلة (في النزاع) فلن نجد حلاً»، علماً أن المشاورات انطلقت هذه المرة، وسط تزايد الانتقادات في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، للدعم الذي تقدّمه واشنطن للعدوان، منذ جريمة قتل جمال خاشقجي، لكن بعد أكثر من شهرين على الجريمة، هدأت موجة الانتقادات، لكن من المرجح أن تعود لتأخذ زخماً أكبر مع تحرك مجلس الشيوخ الأميركي، الذي يعتزم التصويت على قرار لوقف الدعم العسكري لـ«التحالف»، الأسبوع المقبل، علماً بأن الرئيس دونالد ترامب، استبعد وقف بيع الأسلحة للسعودية، ولا يزال يصرّ على دعم «التحالف» في عدوانه، كما أكد، أول من أمس، مسؤول في وزارة الخارجية، من أبو ظبي.