عقب تجدّد التهديد التركي بشن عملية عسكرية «خلال أيام قليلة» شرق نهر الفرات، توجّهت الأنظار إلى الجانبين الأميركي والروسي، الشريكين لتركيا في عدد من القضايا المتعلقة بالشأن السوري، لبيان موقفيهما تجاه هذا التصعيد المحتمل، إذ سبق أن تمّ التفاهم على صيغة جنّبت مدينة منبج الدخول في أتون معارك «درع الفرات»، في أوج الوعيد التركي ضدّها، عبر زجّ قوات روسية وأميركية في غرب المدينة وشمالها، عزلت القوات التركية والفصائل التي تقاتل معها عن مناطق انتشار «وحدات حماية الشعب» الكردية. الموقف الأميركي لم يتأخر كثيراً، وجاء على لسان المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية شون روبرتسون، الذي اعتبر أن «إقدام أيّ طرف على عمل عسكري من جانب واحد في شمال شرق سوريا، وبالأخصّ في منطقة يحتمل وجود طواقم أميركية فيها، هو أمر مقلق للغاية»، مضيفاً أن «أيّ عمل من هذا القبيل سنعتبره غير مقبول». أما وزارة الخارجية الروسية، فقد قالت على لسان المتحدثة باسمها ماريا زخاروفا، في معرض الرد على سؤال حول الموقف من التحرك العسكري المرتقب: «التواصل مستمر مع شركائنا الأتراك في جميع الأمور المتعلقة بسوريا، بما في ذلك تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب»، قبل أن تشرح أن «لتركيا رأيها الخاص حول هذا الموضوع. وقد أكدنا مرات عديدة أننا لا نمتلك المقاربة ذاتها حيال جميع المواضيع».

الموقف الأميركي الخجول تجاه الإعلان التركي الذي جاء من الرئيس رجب طيب أردوغان نفسه، حمل طابع بيانات وزارة الدفاع الأميركية التقليدي، إذ ركّز على التهديد المحتمل للجنود الأميركيين المنتشرين في مناطق سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية» من دون أن يتحدث عن الموقف الأميركي تجاه مصير مواقع وأفراد تلك القوات «الشريكة». وهو كذلك، لم يعكس طبيعة رد الفعل الأميركي المتوقع في حال انطلاق العملية العسكرية، أو حتى استهداف أحد المواقع وسقوط ضحايا في صفوف الجنود الأميركيين. وكذلك، نحا بيان الخارجية الروسية نحو صيغة لا تكشف مقاربة موسكو الواضحة تجاه هذا الملف، وتأثيره على باقي المناطق التي تشهد وجوداً لعناصر «الوحدات» الكردية خارج الغطاء الأميركي، مثل تل رفعت ومحيطها.

زار لافرينتيف أنقرة ودمشق لبحث تطورات «الدستورية»


وبينما تستمر الحشود العسكرية التركية في التوافد إلى المناطق الحدودية مع سوريا، شهد أمس اتصالاً لافتاً بين وزيري خارجية تركيا والولايات المتحدة الأميركية، جرى خلاله التركيز على الملف السوري. الاتصال الذي قد يأتي مقدمة لنشاط ديبلوماسي وعسكري مكثف بين أنقرة وواشنطن، لن يكون له انعكاساته المباشرة على الخطط التركية، خاصة أن وسائل الإعلام التركية نقلت عن عدة مصادر رسمية، الأجواء السلبية التي رافقت زيارة ممثل وزير الخارجية الأميركي لشؤون سوريا، جايمس جيفري، إلى أنقرة. وعلى حدّ تعبير بعض تلك المصادر، فإن جيفري انقلب من شخص يصف «الوحدات» بأنها «فرع تنظيم إرهابي» قبل تعيينه في مركزه، إلى مدافع عن الشراكة معها في «الحرب ضد الإرهاب». هذه الأجواء السلبية انعكست بشكل واضح في حديث أردوغان الأخير عن التدخل العسكري المرتقب. وذهب الرئيس التركي إلى كشف تفاصيل عن وجود اتفاق بين بلاده والولايات المتحدة على عملية مشتركة لتحرير مدينة الرقة، عرقل تنفيذه «دخول التنظيم الانفصالي»، في إشارة إلى «الوحدات» الكردية. وفي موازاة الاتصالات المرتقبة، تتحدث أوساط فصائل «الجيش الوطني» أنها تستعد للمشاركة في التحرك التركي شرق الفرات، فيما استنفرت قواتها لحماية مناطق «درع الفرات» من أي هجمات متوقعة. ورغم الاستنفار الأمني، لم تنج تلك المناطق من تفجيرات طاولت عدداً من بلداتها خلال اليومين الماضيين، بقيت من دون تبنٍّ من أي جهة حتى مساء أمس.
وفي موازاة حساسية التطورات شرق الفرات، تشير المعطيات المتوافرة إلى أن ملف تشكيل «اللجنة الدستورية» قد شهد انفراجاً بعد مروحة مشاورات قادتها أنقرة وموسكو، خلال الأسبوع الماضي. وبينما أكدت وزارة الخارجية الروسية أنها ستعلن قريباً عن التطورات على هذا الصعيد، قالت مصادر معارضة وأوساط إعلامية تركية إنه جرى التفاهم على صيغة لتشكيلة الثلث الثالث في اللجنة، على أن يعلن في إطار اجتماع وزاري للدول الضامنة لمسار «أستانا» قبل موعد إحاطة المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، أمام مجلس الأمن. وبينما لم يخرج أي إعلان رسمي عن الاجتماع الذي يرجح عقده في جنيف، تعزز التحركات الديبلوماسية الروسية احتمال حدوث مثل هذا التوافق، إذ زار المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتيف كلاً من أنقرة ودمشق، والتقى في الأخيرة الرئيس السوري بشار الأسد أول من أمس، في زيارة لم يعلن عنها الجانب السوري وأكدتها وزارة الخارجية الروسية. وسوف يكون هذا التقدم، إن تم، عثرة في وجه الجهود الأميركية الساعية إلى نسف مسار «أستانا/ سوتشي»، بمعزل عن نجاحه لاحقاً في الانتقال إلى مرحلة عمل اللجنة.