الخرطوم | في ظل فشل كل السياسات التي أعلنتها الحكومة السودانية لإنعاش الاقتصاد، يعيش المواطن في وضع معيشي، أقل ما يوصف به، أنه كارثي. تتلاقى الصفوف التي تنتظم للحصول على الوقود، مع تلك التي تطلب الخبز، هذا إن تمكن المواطن من تحصيل النقود، المهمة التي باتت أشبه بالمستحيلة في البلد، بعدما فرغت جميع الصرافات والمصارف من السيولة. المواطن محمد الأمين، اضطر إلى دفع مبلغ 300 جنيه سوداني (حوالى 6 دولارات)، حتى يتمكن من شراء خانة متقدمة في «صف الوقود»، الذي انتظم في إحدى محطات العاصمة الخرطوم، وهو مبلغ يساوي ضعف المبلغ الذي سيدفعه مقابل الوقود، حتى يتمكن من إسعاف ابنته ذات السبعة أعوام، التي تركها مريضة في المنزل، وفق ما روت زوجته في حديث إلى «الأخبار».

حال مواطني السودان المعيشية الصعبة واحدة، ما جعل الأزمة المستفحلة تنسحب إلى الساحة السياسية، حيث سيطرت الدعوات إلى إسقاط النظام وإنهاء معاناة السودانيين. رئيس حزب «المؤتمر» السابق، إبراهيم الشيخ، دعا القوى السياسية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى توحيد صفوفها، وإنهاء حالة الفرقة والاختلاف، والعمل على إسقاط النظام. واقترح أن يقدم كل حزب 100 كادر ملتزم ليتصدوا لقيادة احتجاجات في الشارع ضد الحكومة، وليفتحوا الباب أمام الجماهير حتى تقول كلمتها بوجه «نظام سامهم سوء العذاب»، وفق تعبيره. وأضاف الشيخ أن «الأزمة تستفحل، والحيرة تلف الجميع، وليس في الأفق من حل يلوح. فالنظام يعلن إفلاسه، وكرته الأخيرة (رئيس الوزراء)، معتز (موسى)، يصطدم بالجدار الصلد، وبعصبة الفساد والمصالح، فيدخل في المتاهة ويدخل معه كل البلاد التي تنتظم في صفوف الشح والندرة والعدم».
الدعوة التي وجدت دعماً كبيراً من فئة الشباب على شبكات التواصل الاجتماعي، تلقفتها أحزاب معارضة للحكومة، أعلنت عزمها على إطلاق تظاهرات في الخرطوم، وولايات السودان، ضمن ما سمّته «إعلان خلاص الوطن»، دعماً للحركة الشعبية. وفي حديث إلى «الأخبار»، أوضح إبراهيم الشيخ أن «الدعوة بمثابة رمي حجر في بركة ساكنة»، مشيراً إلى أنها «أنهت حالة الحيرة التي تعتري الشارع». ورهان الشيخ تحديد أجل زمني للنزول إلى الشارع «باكتمال التربيات، وضمان وحدة القوة المعارضة، ومن ثم تخرج منها مبادرات الخروج إلى الشارع»، مضيفاً أن «الجماهير لا بد لها من قائد، والأحزاب هي الوريث الشرعي للنظام بعد زواله، لذلك على الأحزاب إظهار الجدية، وقيادة الجماهير مهما كان أداؤها وفعاليتها، لكن مطلوب منها دور قيادة الجماهير».
من جهته، اعتبر نائب الأمين العام لحزب «الأمة» المعارض، إبراهيم الأمين، أن «وقت الخروج إلى الشارع يأتي بقرار شعبي، وليس بقرارات ودعوات مسبقة»، مشيراً إلى أن قرار «الخروج إلى الشارع جاء نتيجة رفض المواطن للتدهور الاقتصادي، فهي مشاكل لا يستطيع أحد حلها على مستوى أسرته، وإنما تحل حلاً شاملاً على مستوى البلد». وأضاف، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الأزمة الاقتصادية لن تُحل في إطار ما هو مطروح من سياسات. فالفساد المستشري في مفاصل الدولة، يعرقل أي محاولة للإصلاح»، معتبراً أنها «أزمة سياسية في المقام الأول»، وأنه «ما لم يكن هناك نظام ديموقراطي، لن تكون هناك حلول».

اقترح الشيخ أن يقدّم كل حزب 100 كادر ملتزم ليتصدوا لقيادة الاحتجاجات


استشعرت الحكومة الخطر من امتداد طوابير الخبز والوقود، خشية من تجمهر الساخطين، بعد أن شُلّت حركة المواصلات تماماً، وتكدس المواطنون بأعداد كبيرة في مواقف المواصلات العامة. ولاحتواء الموقف، وجّه رئيس مجلس الوزراء، بمشاركة العربات ‏الحكومية وعربات الترحيل والعربات الإدارية العاملة في رئاسة الوزارات، ووحداتها ‏التابعة،‏‏ في نقل المواطنين خلال رحلات الذهاب ‏إلى العمل والعودة منه، كما سخّرت السلطات السيارات التابعة لأجهزتها النظامية، من مركبات وزارة الداخلية وجهاز الأمن والمخابرات، لنقل المواطنين، بعد اجتماع سارع مدير جهاز الأمن والمخابرات إلى عقده مع وزير الداخلية، ومدير جهاز الشرطة، لبحث تطورات الأوضاع في الشارع. ووفق مصادر مطلعة لـ«الأخبار»، خلص الاجتماع إلى نشر جهاز الأمن عدداً من السيارات التابعة له لرصد تحركات الشارع.
ثمة سؤال يردده الجميع من دون إجابة: لماذا لم يخرج الناس إلى الشارع حتى الآن؟ عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي، الخبير الاقتصادي صدقي كبلو، يرى في تصريح إلى «الأخبار»، أن «الشرارة التي تشعل فتيل المواجهة ستأتي قريباً، وعلينا العمل على توعية الجماهير وتنظيمها، حتى نضمن لتلك الشرارة الدعم والاستمرارية»، مشيراً إلى أن «الحكومة تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع الجماهير، في ظل عدم قدرتها على حل الأزمات الثلاث: انعدام السيولة والوقود والخبز». يلفت كبلو الانتباه إلى أن «الحكومة تعوّل على صبر الشعب السوداني، وتخويفه، لكن ذلك لن يستمر كثيراً». وأوضح أن «ما نواجهه الآن، ليس عدم قدرة الحكومة على اتخاذ القرار الاقتصادي الصحيح، بل عدم قدرتها على تنفيذ أي قرار ستتخذه، سواء كان صحيحاً أم لا، لأن قدرتها التنفيذية انهارت، بفعل صراع داخلي على السلطة، يعمق الأزمة».
إزاء الوضع المستفحل، يجد رئيس الوزراء المعيّن حديثاً، معتز موسى، نفسه في دوامة لا تنتهي من الأزمات الملحة، التي لم تفلح معها سياساته المتعجلة في السيطرة عليها، كما لم تفلح تغريداته في «تويتر»، في طمأنة الشارع بقرب حلها، بل أضحت مسار سخرية. المحلل الاقتصادي، صدقي كبلو، أوضح في هذا السياق، أن «الوضع الاقتصادي الراهن، لم يحدث فجأة»، مشيراً إلى أن «النظام يعيش منذ عام 1989 في أزمة اقتصادية، لأنه نظام شمولي يسعي إلى شراء التأييد والمشروعية». وما زاد الطين بلة، حسب كبلو، «السياسة التي أقرّها رئيس الوزراء بتحويل إدارة النقد الأجنبي من البنك المركزي إلى لجنة اقتصادية خارج البنك، مكوّنة من خبراء، وهذا ما لم يحدث في كل دول العالم».