بغداد | ثمّة قاسمٌ مشتركٌ بين السيناريوهات المتوقّعة للجلسة البرلمانية غداً، الخاصّة بالتصويت على الشواغر الوزارية: مصير المرشحين المجهول. فالح الفيّاض متمسّك بترشيحه للداخلية، رغم ما يُشاع عن إمكانية التنازل عن دعمه من قبل «البناء»، وهو ما تأمله كتل «الإصلاح». لكنّ الثابت حتى الآن، إجماع مكوّنات «البناء» على أن خطوةً كتلك تعني الانكسار لمقتدى الصدر، وإقصاءً للفيّاض ونوري المالكي على حدٍّ سواء.

هدوءٌ وغموضٌ يلفّ المشهد السياسي في «بلاد الرافدين». الجلسة النيابية المرتقبة، والمتوقع فيها التصويت على الشواغر الوزارية الباقية، لا تزال مجهولة المصير، وبالتالي إن مصير المرشحين الثمانية مرهون هو الآخر، بأي اتفاقٍ سياسيٍّ ـــــ نيابيّ يقود إلى إتمام «كابينة» عادل عبد المهدي الوزارية.
وإن سرَت في الأيام الماضية، شائعاتٌ تفيد بأن رئيس الوزراء عازمٌ، بالاتفاق مع زعيم «تحالف الفتح» هادي العامري، على استبدال مرشح الداخلية فالح الفيّاض بمرشّحٍ آخر، فإن المعلومات تؤكّد أن تحالف «البناء» متمسّكٌ بخياره، لاعتباراتٍ سياسيّةٍ عدّة، بتعبير مصادره، التي تؤكّد في حديثها إلى «الأخبار» أن هناك وجهات نظر متباينة بين الكتل إزاء دعم الرجل، لكن سحب ترشيحه في الوقت الراهن «يحمل الكثير من الدلالات السياسية، ولا تنتهي مفاعيله عند تسمية البديل وتوزيره». وتضيف مصادر «البناء» أنّ التباين في وجهات النظر «أو الاستهتار بصلابة الموقف»، سيكون له ثمنٌ سياسيٌّ باهظ، وهو ما لا يمكن ـــــ في الوقت الحالي ــــ دفعه أو تسديده، لهشاشة موقف حكومة عبد المهدي (خاصّةً أن قوىً محليّة وإقليميّة تترقب سقوطها القريب) من جهة، ودلالات ذلك على المستوى الإقليمي والدولي من جهةٍ ثانية.
أوّل من أمس، وفي احتفالٍ أقامه «البناء» في الذكرى السنوية الأولى لـ«الانتصار العظيم على تنظيم داعش»، أعلن الفيّاض تمسّكه بترشيحه. كلامٌ ناريٌّ أعاد الكرة إلى ملعب عبد المهدي، بعد تجاذبٍ بينه وبين العامري حول «المتبني الحقيقي» لترشيح الفيّاض؛ بعدما اعتبر زعيم «الفتح» أن رئيس الوزراء داعمٌ لترشيح الفيّاض، فيما ردّ عبد المهدي بأن الكتل السياسية هي التي سمّت مرشحي «كابينته». هذا الأخذ والرد دفع الفيّاض إلى «انتقاء» مفرداته في إعلان موقفه، بعدما تحاشى أيّ ظهورٍ إعلامي، فُسّر بأنّ «رعاة» العملية السياسية في البلاد نجحوا في تقريب وجهات النظر بين مكوّنات معسكر «البناء»، إبقاءً على موقفهم الواحد، ونفياً لأي حديثٍ ـــــ قد يعود مجدّداً ـــــ عن «سحب» ترشيح الفيّاض.

ثمّة من يربط مصير الفيّاض بمصير زعيم «دولة القانون» نوري المالكي


عمليّاً، عادت الكرة إلى ملعب رئيس الوزراء، حيث بات في مواجهة «تحالف الإصلاح» (مقتدى الصدر، عمّار الحكيم، حيدر العبادي، إياد علّاوي) الرافض لتوزير الفيّاض، ليُبعد هذه القضية الخلافية عن بازار الاتفاق بين «سائرون» و«الفتح» تحديداً، متحملاً بدوره مسؤولية نجاح أو فشل من اختارهم لـ«كابينته»، ليحصر بذلك التقارب/ المواجهة بين الكتل السياسية في إطار التصويت فقط.
وفي هذا السياق، وفي محاولة منه لتقريب وجهات النظر للخروج من الأزمة، دعا رئيس الجمهورية برهم صالح، الكتل السياسية إلى دعم جهود عبد المهدي لإكمال تشكيلته، واصفاً مهمته بـ«الوطنية الصعبة والحساسة». وأضاف في كلمةٍ له أن «النصر السياسي يتطلب وحدةً في الموقف والإرادة، وتذليل المشكلات بروح الحوار الإيجابي المنفتح»، على اعتبار أن «الإسراع في إكمال تشكيل الحكومة يُعَدّ رسالة ضرورية من الكتل السياسية للشعب وتقديراً لتضحياته».
في المقابل، تستبعد مصادر قياديّة في «التيّار الصدري» تمرير الفيّاض، نافيةً وجود أيّ تقاربٍ في هذا الموضوع أو أي «صفقة» قد تبرم مع «الفتح» لتسهيل خطوةٍ مماثلة، لأن «المسيّر الحقيقي للعملية السياسية حالياً المباني وطنية التي اتُّفق عليها لحظة تشكيل الحكومة، وما يخالفها مرفوضٌ من قِبلنا جملةً وتفصيلاً». أما مصادر «الإصلاح»، فتبدي تمسّكها بسحب «البناء» ترشيح الفيّاض، على أن يكون ذلك منطلق النقاش المؤدّي إلى حلٍّ توافقي، طارحةً أن يختار العامري أحد قيادات «منظمة بدر» وزيراً للداخلية، في تلميحٍ منها إلى الوزير السابق قاسم الأعرجي.
لكن هذا التوجّه ـــــ بإزاحة الفيّاض ـــــ لا يمنع من إبرام صفقةٍ مع «البناء»، كما تؤكّد مصادر أخرى في التحالف نفسه، خاصّةً إذا كان مضموناً نيل «التيّار الصدري» و«تيّار الحكمة» منصب محافظي بغداد والبصرة، وهو أمرٌ قابلٌ للنقاش كما تقول.
وبين التفاؤل بإمكانية التمرير في الجلسة المقبلة (وهو مستبعدٌ حتى الآن)، وبين تأجيل آخر، ثمّة من يربط مصير الفيّاض بمصير زعيم «دولة القانون» نوري المالكي، الطامح إلى أن يكون نائباً لرئيس الجمهورية، لأن خروج الفيّاض من سباق نيل الداخلية، يعني وضع الصدر «فيتو» محكماً على نيل المالكي منصب نائب رئيس الجمهورية، وهو أمرٌ يحمل دلالةً واحدة: إقصاء «الدعوة» من التركيبة الحاكمة أوّلاً، والقضاء على مؤيدي الحزب داخل مؤسسات الدولة ثانياً، وهو ما بات ملموساً مع رفع ساسة البلاد (خصوصاً الصدر) شعار «القضاء على دولة الفساد العميقة»، في اتهامٍ للمالكي وأنصاره.
وأمام هذا المشهد المعقّد والمجهول، ثمّة من يرفض أيضاً حسم النقاش بخانة الفيّاض لا غيره، رغم أن الأيام الماضية حملت شعار «الفيّاض أو لا أحد»؛ لأن الحسابات السياسية الحاليّة قابلة للتغيّر مع إيجاد مخرجٍ مناسبٍ للجميع، إن كان التوجّه تقريب وجهات النظر دون إحداث مواجهة، والحفاظ على الفيّاض أوّلاً والمالكي ثانياً، أو الذهاب إلى مواجهةٍ مجهولة الملامح حتى الآن.