غزة | تشهد جامعة الأزهر في قطاع غزة خلافات مستمرة منذ سنوات، منها ما يتعلق بإداراتها العليا وصلاحياتها، وأخرى تتعلق بالوضع السياسي كونها توصف بأنها «آخر قلاع حركة فتح» في غزة. وبينما راوحت أزمات الجامعة حدوداً وصلت إلى تعطيل الدوام فيها مدداً كثيرة، خاصة في سنوات الانقسام الداخلي (2006 ـــ 2008)، فإنها شهدت استقراراً نسبياً خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لكنه لم يعد يمكن أن يستمر في ظل الأزمات الكبيرة على مستوى الإدارة أو الطلبة. فقد فتحت الأزمة الأخيرة، بين «مجلس الأمناء» و«رئاسة الجامعة» من جهة و«الأمناء» و«نقابة العاملين» من جهة أخرى، الباب على مصراعيه أمام قضايا الفساد المالي والإداري. تقول أوساط في الجامعة إن أكبر الأزمات الحالية هي «حرب الصلاحيات» بين «مجلس الأمناء» الذي يعيّنه رئيس السلطة محمود عباس، و«مجلس الجامعة» الذي يضم رئيس «الأزهر» ونوابه وعمداء الكليات، وهؤلاء يعينهم «الأمناء». وإلى جانب هذين الجسمين المتصارعين برزت «نقابة العاملين» التي تعيّن بالانتخاب سنوياً (في الشهر الرابع) بين قوائم من «فتح» و«حماس» و«الجهاد الإسلامي» وفصائل أخرى، وعادة ما تفوز «فتح» فيها، لكن النقابة الأخيرة سيطر عليها «التيار الإصلاحي» التابع للقيادي المفصول من الحركة محمد دحلان.


إقالة رئيس الجامعة
رغم أن صلاحيات كل إدارة من هذه الثلاث محدّدة ومعروفة، فإن حالات التدخّل والتداخل لم تغب للحظة، وآخرها إقالة «مجلس الأمناء» رئيس الجامعة الدكتور هاني نجم لأسباب قال المجلس إنها ترتبط بـ«تجاوزات إدارية»، الأمر الذي أثار حفيظة «مجلس الجامعة» و«نقابة العاملين»، ما نتج عنه قرارات احتجاجية منها تعليق الدراسة لأيام عدة. ففي الأحد (18/11/2018)، أصدر «مجلس الجامعة» بياناً للرأي العام قال فيه إنه فُوجئ بقرار «الأمناء» الصادر ذلك اليوم بإعفاء رئيس وأعضاء مجلس الجامعة من مناصبهم، رغم أنه لم يمضِ على تعيينهم أكثر من أربعة أشهر.
يقول رئيس «مجلس أمناء الأزهر»، الدكتور إبراهيم أبراش، لـ«الأخبار»، إن إقالة نجم وتعيين عبد الخالق الفرا بدلاً منه أمر يخضع لصلاحيات المجلس، مضيفاً أن سبب الإقالة هو «رفض نجم إعادة تشكيل مجلس الجامعة ليكون منبثقاً عن الأمناء كما هو معمول به، وقد أمهل وقتاً للتنفيذ لكن المدة المعطاة له انتهت ولم يشكل مجلساً جديداً، بل رد بكتاب رافضاً فيه طلب الأمناء، وهو أمر خطير». وبالنسبة إلى سرعة القرار، قال أبراش إنه لضيق الوقت جراء الامتحانات النصفية وصعوبة الدخول في مشاورات مطولة، استعين بالفرا كونه «ذا خبرة ودراية في هذا المجال»، وتم تكليفه استثنائياً حتى نهاية العام الدراسي الجاري، أي حتى 31 آب/أغسطس 2019 حتى تشكيل «مجلس جامعة» جديد.

صارت إدارة الجامعة تستعين بأمن «حماس» لقمع «الشبيبة الفتحاوية»


في المقابل، رفضت «نقابة العاملين» هذه الإقالة واصطفّت إلى جانب «مجلس الجامعة»، داعية إلى تعليق الدوام بسبب «الفراغ الإداري والقانوني»، ومحمّلة «مجلس الأمناء» المسؤولية عمّا ستؤول إليه الأمور، خاصة أن النقابة تقدمت كما تقول بوساطة لحل المشكلة بين المجلسين لكن من دون نتيجة. يقول رئيس «نقابة العاملين»، أحمد التيان، لـ«الأخبار»، إن «قرار الأمناء استند إلى حجج واهية وضرب عرض الحائط بالاتفاق الذي تم التوصل إليه مع نقابة العاملين، وهو ما نرى فيه إهانة، ولذلك علقنا الدراسة». وأضاف: «ترشيح الفرا الذي تولى رئاسة الجامعة مرتين غير قانوني، لأنه وفقاً للنظام الأساسي لا يحق له الترشح لولاية ثالثة».

ما تحت الرماد
تبقى «حرب الصلاحيات» ظاهر الأزمة، إذ إن الخلافات الفتحاوية تجري تصفيتها تحت هذه العناوين داخل الجامعة؛ فمنذ طردت الحركة دحلان، ازدادت الخلافات، وصارت تحتدم في كل مرة تقام فيها فعالية تخص التنظيم، كذلك فإن أتباع «التيار الإصلاحي» يحاولون التمرد على ما يسمونه عملية الإقصاء ضدهم، مع أن إدارة الجامعة تنفي ذلك بدلالة أن مناصري دحلان يشكلون غالبية «نقابة العاملين». أما الدليل الذي يتمسك به مناصرو دحلان، فهو قضية «منحة التكافل» التي كانت تقدمها «اللجنة الوطنية الإسلامية للتنمية والتكافل الاجتماعي» المدعومة إماراتياً.
فقبل أقل من سنة، اشتعلت الخلافات في الجامعة جرّاء رفض تلقّي المنح التي وصلت قيمتها إلى 15 مليون دولار، ما أثار موجة من الاحتجاجات على المستوى الإداري والطلابي، إذ كان من المقرر أن يستفيد 20 ألف طالب كدفعة أولى. وجراء الأزمة الاقتصادية الخانقة في القطاع، استطاع بعض الأطراف التوسط لدخول المنحة من باب حل مشكلة التأخر في دفع الرسوم، وتم الاتفاق على الاستفادة من المنحة كمبالغ عن طريق جهة خارج أسوار الجامعة، فيحصل الطالب على قسط المنحة ويدفعها من دون أن تمر عبر الإدارة الرسمية.
أما «صندوق الطالب»، فأثيرت حوله مشكلة أخرى، لكون أمواله التي من المفترض أن تحوّل إلى «مجلس اتحاد الطلبة» صارت تقع في يد الإدارة، من دون أن يكون للطلبة الفقراء أي نصيب منها، وذلك بحجة الظروف السياسية التي تقرر على إثرها تعطيل مجلس الطلبة في «الأزهر». وإذا كان عدد طلبة الجامعة 15 ألفاً، يجمع الصندوق من كل واحد منهم ديناراً في كل فصل، ما يعني 15 ألف دينار (20 ألف دولار)، لكنها لا تعود الآن على الطلاب بشيء. أيضاً، يصرّ «مجلس الأمناء» على رفض إعفاء أبناء العاملين في الجامعة، في وقت يشتكي فيه الطلاب من الظلم في توزيع المنح ضمن حصص ومحسوبيات عائلية، قبل أن تستطيع «الشبيبة الفتحاوية» إجبار الإدارة على تفعيل «نظام المسح الاجتماعي». والمضحك أن إدارة الجامعة (الفتحاوية) صارت تستعين بأمن «حماس» لقمع أي اعتصام تنفذه الشبيبة التابعة للحركة.
والآن، تواجه «الأزهر» أزمة إدارية كبيرة في ظل الانقسام الفتحاوي الذي أدى إلى تشظي إدارات الجامعة، فيما أعلنت «نقابة العاملين» رزمة من المطالب مطلع الشهر الجاري، وفي حال لم يتم تنفيذ المطالب، سوف يتقرر الإضراب الشامل حتى نهاية هذا الشهر، فيما وجّه الدكتور أبراش أصابع الاتهام إلى النقابة بتدخلها في قرارات تخصّ مجلسه، قائلاً: «نقابة العاملين، بعيداً عن توجّهها السياسي، مكلفة بالدفاع عن حقوق العاملين وليس من حقها إطلاقاً التدخل في الأمور الإدارية أو الرئاسية للجامعة».