في الـ31 من أيار/مايو عام 2017، توجّه أربعة ليبيين، ينحدر جميعهم من مدينة الزاوية الساحلية غرب البلاد، لزيارة الأماكن المقدسة، بهدف أداء مناسك العمرة. كان يُفترض أن يغادر أربعتهم السعودية يوم 25 حزيران/يونيو، باتجاه مطار معيتيقة في العاصمة طرابلس، لكن كان لسلطات المملكة رأي آخر. فلدى وصولهم إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة، قرر الأمن السعودي الاحتفاظ بهم، لكنه لم يتمكن من وضع يده إلا على ثلاثة منهم، هم محمد الخضراوي، ومحمود رجب، وحسن زعيط، فيما تمكن رابعهم، حسين زعيط، من «التواري عن الأنظار»، واللجوء إلى مقر القنصلية الليبية في جدة، وفق ما جاء في برقية أرسلتها وزارة الخارجية السعودية (فرع منطقة مكة المكرمة) إلى نظيرتها، وقد عاد الرجل بداية هذا العام إلى بلده قادماً من تركيا، التي أدّت، على ما يبدو، دوراً ما في حل قضيته.

لكن على عكس حسين، لم ظهر سائر رفاقه. في البداية، بدا كما لو أن الملف في طريقة إلى الحل، إذ زار القنصل الليبي المحتجزين، وعلم من مسؤولي السجن أن «إخلاء سبيلهم مرهون بقرار السلطات العليا في الرياض». عقب ذلك، تقول البرقية الدبلوماسية السعودية، إنهم «أُعيدوا من حين أتوا»، في تاريخ الـ 5 من آب/أغسطس 2017، وذلك عقب إيقافهم لـ«ورود معلومات تفيد بالاشتباه» فيهم.
لم يصل الموقوفون، على الأقل عبر المنافذ التي تسيطر عليها حكومة «الوفاق الوطني»، المتركزة في طرابلس، والتي تحظى باعتراف دولي، بعكس الحكومة المؤقتة التي تتركز في شرق البلاد، وتدعم قوات المشير خليفة حفتر. يوم الـ 6 من آب/أغسطس 2017، أي بعد يوم واحد على التاريخ الذي ادعت فيه السعودية إعادتها الموقوفين إلى بلادهم، ردت وزارة الخارجيّة التابعة لحكومة «الوفاق»، التي تسيّر المنشآت الدبلوماسية الليبية في السعودية، بمذكرة شفوية قالت فيها إنها لا علم لها «بهذه الإجراءات، ولم يُتَسلَّم الموقوفون، ولم تُرسَل طائرة بشأنهم»، وكررت طلبها بـ«توضيح مصير الموقوفين، والجهة التي سُلِّموا لها» في حال حصول ذلك فعلاً.
يبدو مما تتالى من أحداث، أن السعوديّة لم تتفاعل مع مطالب الحكومة الليبية (المعترف بها دولياً). في الـ 21 من كانون الثاني/يناير هذا العام، تقابل وكيل وزارة الخارجية الليبية، لطفي المغربي، مع وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، في الرياض. ورغم إشارة البيان الرسمي، الصادر عن وكالة الأنباء الليبية لتداول مسألة الموقوفين، لم تبرز معلومات جديدة حول مصيرهم. كان من بين مواضيع اللقاء، الترتيب لزيارة رئيس حكومة «الوفاق»، فائز السراج، للرياض، وقد حصلت بالفعل في حزيران/يونيو هذا العام، حيث التقى بالملك سلمان وولي عهده، لكن لم يبرز أيضاً أي جديد في الموضوع.

أعلن أهالي الموقوفين أنهم سيتوجهون إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن


في الأثناء، خرجت معلومات جديدة، تفيد بوجود تنسيق ثلاثي في الملف، بين السعودية ومصر وخليفة حفتر، لكن لتوضيح هذا الرابط، يجب إلقاء الضوء على خلفية الموقوفين الثلاثة. نشط محمد الخضراوي، ومحمود رجب، وحسن زعيّط، ضمن ميليشيات في مدينة الزاوية، تتبع «غرفة عمليات ثوار ليبيا»، وشاركوا في عملية «فجر ليبيا»، وفيما يعدّهم حفتر «إرهابيين»، تتهمهم مصر بأنهم ساهموا في اختطاف دبلوماسيين تابعين لها في طرابلس عام 2014، أُطلِق سراحهم مقابل إفراج القاهرة عن شعبان هدية (يكنى بأبي عبيدة الزاوي).
يعني ذلك، أن إيقاف الرجال الثلاثة، مُدرَج ضمن تصفية حسابات عملية الاختطاف، نظراً لارتباطهم بهدية، ثم تسليمهم لخليفة حفتر، الذي يحتجزهم في سجونه (خرجت شهادة غير مؤكدة لموقوف سابق في سجون شرق ليبيا، يقول فيها إنه شاهد أحدهم هناك).
حول هذه الرواية، قال الباحث الليبي بشير الزواوي، في حديث إلى «الأخبار»، إنه «لا يستغرب أبداً أن المعتقلين قد سُلِّموا لحفتر في شرق البلاد، حيث تقع أكبر المعتقلات التي تمارس فيها انتهاكات ضد حقوق الإنسان». لا يبني الزواوي رأيه على الفراغ، إذ يذكّر بوجود «تعاون وثيق بين السعودية والإمارات وحفتر، خاصة عبر أذرعهم السلفية التي تمارس القمع والتعذيب للمعتقلين من مختلف أرجاء القطر».
ويتحسّر الباحث الليبي، من أن «حكومة الوفاق المتمثلة في المجلس الرئاسي، لا تعير أي اهتمام لمواطنيها، عندما يتعرّضون للاعتقال أو الملاحقة في دول أخرى». وينهي كلامه بالحديث عن السعودية قائلاً: «من الخزي أن نرى بلاد الحرمين تعتقل أناساً جاؤوا لأداء مناسك دينية، يفترض أن يأمنوا في كنف هذه الدولة الراعية للمقدسات على أنفهم وأموالهم، لكن الوقائع تثبت أنه لا يمكن الوثوق في هذه البلاد، وأن من لديه توجهات سياسية، ويرغب في معارضة حفتر، قد يكون عرضة للاعتقال والترحيل إلى شرق ليبيا».
الآن، لم يبق أمام أهالي الموقوفين سوى التوجه إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وفق ما أعلنوا خلال وقفتهم الاحتجاجية أمام مقر القنصلية السعودية في إسطنبول، مستغلين جريمة اغتيال خاشقجي لإحياء قضية أبنائهم. وفي واقع الأمر، ترتكز عائلات الليبيين المختفين قسراً، على ما أثبته التاريخ القريب من رضوخ دول الخليج عند اشتداد الاحتجاجات وتصاعدها إعلامياً. عام 2014، أوقفت الإمارات تسعة رجال أعمال ليبيين، ووجهت إليهم تهماً بـ«دعم مجموعات إرهابية في ليبيا»، و«جمع تبرعات من دون إذن من الدولة». واضطرت، تحت الضغط، إلى إطلاق سراح خمسة منهم بعد عام، فيها أخلت سبيل الأربعة الباقين، الذين يحمل اثنان منهم الجنسية الأميركية عام 2016.
تُعَدّ أطوار هذه القضية فضيحة للنظام السعودي، وهي مرجَّحة للتفاقم كلما تكشفت معلومات جديدة عنها. من جهة، لا يمكن تبرير احتجاز الموقوفين من دون توجيه تهم واضحة إليهم، يجب أن تكون مرتبطة بقضايا جرت على الأراضي السعودية، تبعاً لمبدأ إقليمية القوانين، ولا يمكن ــ من جهة أخرى ــ تبرير تسليمهم لسلطات شرق ليبيا، نظراً لعدم اكتسابها اعترافاً دولياً، وتلوُّث سجلها الحقوقي بجرائم تعذيب وقتل خارج القانون، ليس آخرها التستر على الضابط السلفي المدخلي، محمود الورفلي، الذي ظهر في شرائط فيديو وهو ينفذ إعدامات ميدانية لمساجين خارج دائرة القضاء.