القاهرة | قضت الدائرة 15 في محكمة «جنايات القاهرة» ببراءة جميع المتهمين في قضية «التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني»، التي تعود وقائعها إلى عام 2011، أي بعد 7 سنوات شهدت فيها القضية سجالات ومواقف مهينة للقضاء المصري، أبرزها صدور قرار بإخلاء سبيل عدد من المتهمين الأجانب في جلسة ليلية من دائرة فرعية، ثم سفر جميع المتهمين فور إخلاء سبيلهم بطائرة خاصة إلى الولايات المتحدة، وهي الواقعة التي حدثت إبّان حكم المجلس العسكري في المرحلة الانتقالية التي أعقبت «ثورة يناير» عام 2011.

إذن، قضت المحكمة، برئاسة المستشار محمد علي الفقي، ببراءة المتهمين الذين يعملون في مجال حقوق الإنسان، ومنهم عدد من الأجانب غالبيتهم أميركيون، كما قضت غيابياً ببراءة المتهمين الذين غادروا البلاد، وذلك في مخالفة قانونية صريحة، لأن المفترض أن إعادة المحاكمة تكون للمتهمين المحكوم عليهم حضورياً فقط، أما الغائبون (الهاربون)، فالأصل أنه بمجرد ظهورهم أو القبض عليهم، تُعاد إجراءات محاكمتهم من جديد كأنها أول مرة في أول درجة، لأن الغائب أو الهارب لا يجوز له الطعن بالنقض على حكم لم يصدر في مواجهته.
وكانت هذه القضية قد تسبّبت في توقف منظمات العمل الأهلي عن تلقّي تمويل لمدد طويلة، وأيضاً أغلقت عدد من المنظمات فروعها في مصر إثر ذلك، كما مُنع عدد كبير من الناشطين من السفر إلى الخارج بموجب قرارات من قضاة التحقيق الذين باشروا القضية، لكن بعض القرارات طُعن فيها أمام القضاء وألغيت بالفعل بعد أشهر من المنع. كذلك، تسبّبت القضية نفسها في تراجع دور منظمات المجتمع المدني بشأن قضايا مثل الإشراف على الانتخابات بعدما كانت قد لعبت دوراً بارزاً فيها.
القضية، المعروفة برقم 173 لسنة 2011، انقسمت فعلياً إلى قضيتين بعد اقتحام فروع المنظمات الأجنبية وعدد من المنظمات المحلية نهاية 2011. القسم الأول خُصّص للمنظمات الأجنبية، وأحيل على القضاء الذي أصدر أمس البراءة بعد أحكام بالحبس وبحل فروع منظمات «المعهد الجمهوري الديموقراطي»، و«المعهد الديموقراطي الوطني»، و«فريدم هاوس»، و«المركز الدولي للصحافيين»، و«مركز كونراد أديناور»، في الدرجات الأولى من التقاضي.
أما القسم الثاني، فخُصّص للمنظمات المحلية، ولم يُفصل فيه بعد، لكنه يتضمن التحقيق في تقرير لجنة تقصي الحقائق بشأن ما أثير حول «التمويل الأجنبي للجمعيات والمنظمات غير الحكومية التى تمارس نشاطها داخل مصر»، وهي اللجنة التي شُكّلت بقرار مجلس الوزراء في 3/7/2011 برئاسة مساعد وزير العدل الأسبق.

وفق خبراء لا تمكن إعادة محاكمة متهمين غائبين أو هاربين


وبشأن حكم البراءة، وردت شهادة مستشارة الرئيس للأمن القومي، فايزة أبو النجا، التي كانت وزيرة التعاون الدولي آنذاك، وقد تمسكت بوقف تمويل هذه المنظمات استناداً إلى أن الجهات الحكومية الأميركية صارت تستخدم «برامج المعونة»» للنفاذ داخل مصر واختراقها أمنياً، وذلك «تحت ستار برامج إعانات للجمعيات الأهلية المرخصة أو غير المرخصة، وكذلك للمنظمات الأجنبية التي لها فروع غير مرخصة».
وكانت النيابة قد وجهت اتهامات بتلقّي أولئك الأجانب تمويلاً من دول «بالمخالفة للقانون»، و«استخدام تلك الأموال في أنشطة محظورة، والإخلال بسياسة الدولة المصرية، بداية من مارس حتى ديسمبر 2011». وأيضاً اتهموا بأنهم «أشرفوا في فروع لمنظمات دولية بغير ترخيص... على تدريب سياسي لأحزاب، وإجراء البحوث واستطلاع رأي على عينات عشوائية من المواطنين، ودعم حملات انتخابية لممثلي أحزاب وحشد ناخبين للانتخابات البرلمانية بغير ترخيص، وإعداد تقرير بهذه الأنشطة وإرسالها إلى المركز الرئيسي في الولايات المتحدة».