بعد شهرين من صدور أمر ملكي بتشكيلها، أعلنت «لجنة إعادة هيكلة الاستخبارات» أولى توصياتها، في ما بدا محاولة متجددة لتجاوز تداعيات مقتل الصحافي جمال خاشقجي، والتشديد على «براءة» ولي العهد محمد بن سلمان من تلك الواقعة. وتستكمل المحاولة هذه سلسلة خطوات اتخذتها المملكة في سبيل الخروج من الورطة التي وضعت نفسها فيها، مُستجلِبةً غضباً عالمياً لا يفتأ خصومها، وعلى رأسهم تركيا، يستغلّونه لتحقيق مآربهم السياسية، فيما يزداد موقفها هي حراجة وضعفاً. ضعف جلّته تباعاً التطورات المتلاحقة على خطّ واشنطن ـــ الرياض منذ مقتل خاشقجي، والتي تَمثّل آخرها في تقدّم مشرّعين أميركيين بمشروع قانون لتقييد أي اتفاق نووي محتمل مع السعودية، بعد أسبوع على تصويت مجلس الشيوخ على قرار يحمّل ابن سلمان المسؤولية عن حادثة القنصلية.

وأعلنت السعودية، أمس، أن «لجنة إعادة هيكلة الاستخبارات»، التي يرأسها ولي العهد، عقدت اجتماعها الأول في الـ25 من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، «ثم قامت بعقد اجتماعات لاحقة لتقييم الوضع الراهن وتحديد الفجوات... وأوصت بحلول تطويرية قصيرة، متوسطة، وطويلة المدى». وتقتضي «الحلول العاجلة» التي اقترحتها اللجنة استحداث ثلاث إدارات جديدة مربوطة برئيس الاستخبارات العامة، هي: «الإدارة العامة للاستراتيجية والتطوير» المعنية بـ«التأكد من توافق العمليات مع استراتيجية الرئاسة واستراتيجية الأمن الوطني»، و«الإدارة العامة للشؤون القانونية» المُكلّفة بـ«مراجعة العمليات الاستخبارية وفقاً للقوانين والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان»، و«الإدارة العامة لتقييم الأداء والمراجعة الداخلية» ومهمّتها «تقييم العمليات والتحقق من اتباع الإجراءات الموافَق عليها». كذلك، تنصّ مقترحات اللجنة على «تفعيل لجنة النشاط الاستخباري، ووضع آلية لمهامها» بهدف «المراجعة الأولية، واختيار الكفاءات المناسبة للمهمات».
ويكشف التدقيق في المقترحات المُعلَنة أمس عنصرين رئيسين: أولهما أنها تأتي لتدعيم الرواية الرسمية القائمة على تبرئة «أعلى الهرم» من واقعة الاغتيال، وإلصاق الأخيرة بـ«كفاءات غير مناسبة» مثلما يوحي به الحديث عن ضرورة «اختيار الكفاءات المناسبة للمهمات». وثانيهما أنها تستهدف مغازلة الخطاب الغربي الداعي إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع تكرار ما حدث في القنصلية السعودية في إسطنبول في الـ2 من تشرين الأول/ أكتوبر. لكن سعي السعودية إلى التخلّص من تبعات اغتيال خاشقجي، وتسكيت الغضب العالمي الذي خلّفته الواقعة، لا يزال يواجَه بضغط تركي ـــ أميركي في اتجاه إبقاء القضية حية، واستثمارها إلى أبعد حدّ ممكن. ولعلّ تلويح تركيا مجدداً، أمس، على لسان وزير خارجيتها مولود تشاويش أوغلو، بـ«إمكانية إجراء تحقيق دولي، أو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق» من أجل «المساعدة في كشف الحقيقة، وتقديم جميع الأشخاص المسؤولين للعدالة»، لا ينبئ بأن لدى أنقرة نية لطيّ الصفحة قريباً، خصوصاً أن الضغط ربما بدأ يعود عليها بعوائد سياسية، وفق ما يمكن أن يُقرأ في توقيت إعلان الولايات المتحدة الانسحاب من سوريا.

كرّرت تركيا تلويحها بـ«إمكانية إجراء تحقيق دولي» في مقتل خاشقجي


في المقابل، تجد المملكة نفسها في موقع المتعرّض لعمليات قصقصة وابتزاز وتضييق، من دون أن تكون لديها القدرة سوى على توجيه العتب، كما أظهرت بيانات المؤسسات السعودية تعليقاً على قرار مجلس الشيوخ الأميركي إدانة ابن سلمان بمقتل خاشقجي. قرار يبدو أنه لن يكون الأخير في إطار محاولات الكونغرس فرض نفسه لاعباً رئيساً في مضمار العلاقات مع الرياض، وحمل إدارة الرئيس دونالد ترامب على التخلي عن تمسّكها بولي العهد الحالي. إذ إن مشرّعين من الحزبين الديموقراطي والجمهوري طرحوا، خلال الساعات الماضية، مسودة تشريع يحمل عنوان «لا أسلحة نووية للسعودية» يشترط موافقة مجلسَي الشيوخ والنواب على أي اتفاق تعاون مع السعودية في مجال الطاقة النووية المدنية. وقال السيناتور الديموقراطي، إدوارد ماركي، الذي كان أحد المتقدّمين بالمسودة، إن «هذا التشريع سيضمن أن تجري مراجعات أساسية لكي لا يصل الأمر بالسعودية إلى أن تستخدم التكنولوجيا أو المواد الأميركية في صنع قنبلة نووية، وأن يكون الرأي الأخير بيد الكونغرس». اللافت أيضاً أن مشروع القانون الجديد يشترط على السعوديين تقديم تفاصيل في شأن مقتل خاشقجي، قبل إعطاء الضوء الأخضر للمضيّ في الاتفاق النووي المحتمل. وعلى رغم أنه من غير المرجّح الموافقة على المشروع الأخير قبل انتهاء ولاية الكونغرس الحالي في كانون الثاني/ يناير المقبل، إلا أنه، شأنه شأن المشروعين السابقَين اللذين أقرّهما مجلس الشيوخ في الـ13 من الشهر الجاري (يدعو أحدهما إلى وقف الدعم الأميركي لـ«التحالف» الذي تقوده السعودية في اليمن، ويحمّل ثانيهما ابن سلمان شخصياً المسؤولية عن حادثة القنصلية)، سيسهم في إبقاء المزاج المناوئ للرياض في مسار تصاعدي، مع ما لذلك من انعكاسات على سمعة المملكة وموقعها ودورها.