«إذا قررت الولايات المتحدة سحب قواتها من سوريا، سيكون قرارها صائباً» بحسب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل أن يضيف أنه لا يرى إلى الآن مؤشرات جدية على مثل هذا الانسحاب، وأن مجرد الاعلان عنه ليس دليلاً قطعياً على المباشرة به: «الولايات المتحدة موجودة في أفغانستان منذ 17 عاماً ويقولون كل سنة إنهم سينسحبون». لا شك في أن حذر بوتين حيال إمكانية تنفيذ القرار ناجم عن إدراكه لحجم المعارضة الذي يواجهه في الإدارة وبين خصومها السياسيين في الداخل الأميركي، ومن حلفائها الاسرائيليين والغربيين والعرب في الخارج. إدراك ترامب لهذه المعارضة لم يمنعه من حزم أمره، لا سيما أنه غاضب جداً مما يعتبره عملية خداع تعرّض لها من قبل العسكريين ومن الفريق المكلف بإدارة الملف السوري، وفقاً لمصادر واسعة الاطلاع في الولايات المتحدة تحدثت إلى «الأخبار». أحد هذه المصادر، وهو على صلة بأعضاء في فريق ترامب، أكد أن الرئيس الأميركي لم يعد يقيم وزناً للفرضية التي أجّل على أساسها القرار الذي اتخذه في آذار الماضي بإنهاء وجود قواته من سوريا، وهي أن هذا الوجود يشكّل رافعة لدور أميركي أكبر في فرض حل سياسي يتناسب مع أولويات الاستراتيجية الأميركية في الاقليم، وفي مقدمتها احتواء إيران. وقد شكّلت الاعتبارات السياسية الداخلية أيضا محفزاً مهماً لهذا القرار.


بقاء لا جدوى منه
لم يكن للوجود العسكري الأميركي من وظيفة في سوريا، بنظر ترامب خلال حملته الانتخابية وعند وصوله إلى الرئاسة، سوى القضاء على «داعش». «بعض أعضاء فريق أوباما كانوا يعتقدون أن لا ضير من استغلال الصراع بين داعش والجيش السوري وحلفائه، أو بينه وبين الحشد الشعبي وحلفائه الايرانيين في العراق، من أجل إطالة أمد الصراع واستنزاف جميع الأطراف ومقايضة تدخّل أميركي أكبر ضد تنظيم الدولة الاسلامية بتنازلات سياسية لمصلحة الولايات المتحدة. هذا هو التفسير الحقيقي لتصريحات مسؤولين سياسيين وعسكريين أميركيين في عهد أوباما رأوا أن الحرب على داعش قد تستمر لعشر سنوات. وظيفة الوجود العسكري في سوريا كانت موضوعاً خلافياً بين الرئيس وقوى الدولة العميقة أضيف إلى موضوع خلافي آخر، العلاقة مع روسيا»، تُضيف المصادر.
هو اعتبر أن تدمير «داعش» أولوية، وأن مشاركة روسيا في الحرب عليه هي فرصة للتعاون بين البلدين لتحقيق هدفهما المشترك وتحسين العلاقات بينهما، وهذا هدف آخر لترامب. فبرأيه، على العكس من الدولة العميقة ونواتها العسكرية، تناقض الولايات المتحدة الرئيسي مع الصين ومن شروط خوض مواجهة ناجحة معها، تحييد أو حتى كسب ودّ روسيا. عملت قوى الدولة العميقة بشكل منهجي على عرقلة محاولاته للتقارب معها، لأنها، بحسب اقتناعها، التهديد الأبرز والأكثر مباشرة للهيمنة الأميركية بسبب قدراتها العسكرية المتطورة التي تفوق قدرات الصين. انعكس هذا الاقتناع في مواقف القادة العسكريين ومسؤولين سياسيين وتقارير «البنتاغون» للأمن القومي والدفاع الوطني، وكذلك في الوثيقة النووية. كانت سوريا، في ظن هؤلاء، إحدى ساحات استنزاف العدو الرئيسي على المستوى الدولي، أي روسيا، وكذلك الإقليمي، أي إيران. ترى المصادر أن «العداء لإيران يرقى إلى مستوى الأيديولوجيا عند أشخاص مثل مايك بومبيو، وزير الخارجية، وجون بولتون، مستشار الأمن القومي، أو هو نتيجة لحقد شخصي ورغبة في الانتقام، كما هي الحال مع وزير الدفاع جيمس ماتيس، الذي يحمّل الايرانيين مسؤولية مقتل العشرات من رجاله في العراق، أيام خدمته في هذا البلد. هذا العداء هو من أبرز المشتركات بين أعضاء هذه الإدارة، ذوي الخلفيات المتباينة. ترامب بالطبع لا يحب إيران، لكنه ليس من أصحاب الاقتناعات الراسخة. هو في أفضل الحالات لديه ميول، لكنه يغلّب ما يعتبره مصالحه المباشرة السياسية والانتخابية عليها، خاصة إن أدّت قرارات معيّنة الى دفع أثمان تؤثر سلباً على هذه المصالح. غالبية الإدارة تأمل أن تفضي استراتيجيتها ضد إيران إلى إسقاط نظامها، أما ترامب، لو استطاع ذلك، فيرغب في صفقة معها تتضمن تنازلات كبيرة من قبلها. هناك فرق بين المقاربتين، حتى وإن تقاطعا على ضرورة تشديد العقوبات والحصار وشنّ عمليات زعزعة الاستقرار». لكن الأهم، الذي أثار حنقاً شديداً لدى الرئيس الأميركي، بحسب المصادر، «هو عجز فريقه السياسي والعسكري عن إثبات جدوى البقاء في سوريا في إنفاذ استراتيجية احتواء إيران في الاقليم. لقد مارسوا ضغوطاً هائلة عليه ليعدل عن سحب قواته في آذار الماضي، وحذّروه من أن خطوة من هذا القبيل ستكون لها مفاعيل أخطر على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة من قرار أوباما الانسحاب من العراق عام 2011. قدّموا له نظرية كاملة عن تحويل القوات الأميركية في سوريا الى رافعة للاستراتيجية الأميركية في الإقليم، لكنهم لم ينجحوا في تحقيقها على الأرض. لقد أعطاهم فرصة للبرهنة على صحة نظريتهم وفشلوا في ذلك».

«حيوان انتخابي»
إذا كان الإنسان، بحسب التعريف الشهير، حيواناً اجتماعياً، فإن ترامب «حيوان انتخابي» بكل ما للكلمة من معنى. الحسابات الانتخابية تحتل موقع الصدارة بين تلك التي تحكم جلّ مواقفه وقراراته وسياساته. تثبيت صورته كشخص يفي بوعوده لناخبيه هدف دائم لرئيس يتصرف كأنه في حملة انتخابية مستمرة. سحب القوات الأميركية من سوريا قرار سيحظى بشعبية كبيرة في أوساط كتلته الموالية، التي يحتاج إلى تعبئتها في سياق يتعرض فيه لحملة شرسة من قبل خصومه الداخليين، وحتى بين قطاعات لا تؤيده بالضرورة. غالبية الرأي العام الأميركي لا تريد بقاء القوات الأميركية في سوريا، ولا تحبّذ التورط في مغامرات عسكرية خارجية، خاصة في الشرق الأوسط، بعد تجربة العراق القاسية. لقد مُني ترامب بسلسلة نكسات، منها استمرار التحقيقات حول تدخّل روسي لمصلحته في الحملة الانتخابية، وحصوله على تمويل خارجي خلال الحملة نفسها، وقضية خاشقجي وما كشفته من علاقات ومصالح خاصة تربطه بولي العهد السعودي، وأخيراً نتائج الانتخابات النصفية التي ستجعله عرضة لضغوط لا تتوقف من قبل خصومه الديمقراطيين. «سيعمد اليوم الى اتخاذ قرارات دراماتيكية، كالذي اتخذه بشأن الانسحاب من سوريا بين ليلة وضحاها، أو تلك المتعلقة بنيّته الشروع بعملية تخفيض كبيرة لعديد قواته في أفغانستان، لتلميع صورته وتأكيد أنه الأحرص على حياة الأميركيين العاديين وعلى مصالحهم، في مقابل نخب معولمة مستعدة للتضحية بحياة الجنود الأميركيين خدمة لأهداف غامضة وغير مقنعة بالنسبة إليه وإلى قسم وازن من المواطنين»، تختم المصادر.