تهديد رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو بتكثيف العمليات ضد إيران وحلفائها في سوريا، هو ردّ فعل مفهوم في أعقاب القرار الأميركي الانسحاب البري من سوريا. نبرة نتنياهو الحادة والحاسمة كانت دالة على الخشية من الآتي، قبل أن تكون دالة على فعل عدائي إسرائيلي مقبل، هو في حد أدنى موضع شك للمدى المنظور، وربما أبعد من ذلك.

موقف نتنياهو تضمّن «توضيحاً» أن العمليات في سوريا ضد إيران وحلفائها ستتواصل بتأييد ودعم كاملين من الولايات المتحدة الأميركية. وهذه تحديداً منشأ القلق الإسرائيلي الذي جاءت تعبيراته عارمة على ألسن المسؤولين والمعلقين في تل أبيب: كيف يفهم الأعداء الانسحاب الأميركي والفرص المتكوّنة لديهم في أعقابه، وإلى أي حد يمكنهم استغلال هذه الفرص لتعزيز موقفهم في المعركة الدائرة على الوجود، بينهم وبين إسرائيل.
مع ذلك، ورغم أهمية هذا العامل وصوابيته، إلا أن القلق الإسرائيلي أكثر اتساعاً، ليس فقط بسبب الانسحاب الأميركي، وهو كذلك رغم أنه جرى تثقيله أكثر مما هو عليه، بل نتيجة مجمل المعركة التي تخوضها إسرائيل ضد أعدائها، مع تقلص خياراتها في مواجهتهم، تباعاً.
في خلفية قرار واشنطن سحب قواتها البرية بعد أن كانت ربطت هذا الوجود بإخراج ايران من سوريا، يشار إلى أن مصلحة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في المنطقة وفي سوريا تحديداً، تتقاطع إلى حد التطابق، وخاصة ما يتعلق بالنتيجة المطلوبة منهما، وفي ذلك تتّحد الجهود وتتكامل للوصول إلى «إخراج إيران».
إلا أن منشأ وحدة الموقف العدائي من إيران يختلف بينهما، وهو ما يفسّر التريّث الأميركي وامكان تأجيل الخيارات ربطاً بتغيير الظروف التي قد تستجد على التموضع الأميركي، في حين أن إسرائيل مستعجلة ومتلهفة لتحقيق النتيجة ضد إيران وحلفائها. على هذه الخلفية يمكن لواشنطن أن تسحب قواتها البرية لترضية الأتراك، لكون الظرف التركي داهم جداً، فيما تركّز وجودها مع إمكان التدخّل لاحقاً ما وراء الحدود في الأراضي العراقية. لكن من ناحية إسرائيل، يمثل التهديد الإيراني تهديداً استراتيجياً بمعان وجودية ربطاً بما يمكن أن تصل إليه إيران من قدرات ومن نقل حدودها فعلياً إلى الحدود الإسرائيلية، ما يعني تعذّر تأجيل ما لديها من خيارات أو قدرة التعايش مع تقلصها.
الانسحاب الأميركي البري من سوريا يفقد إسرائيل رافعة ضغط كبيرة جداً كانت متاحة ومؤثرة لمجرد وجودها، ليس ضد أعدائها المباشرين: سوريا وإيران وحزب الله فحسب، بل أيضاً في وجه الجانب الروسي الذي يقيّد إلى الآن حرية مناورتها العسكرية وهامشها في سوريا، ويحدّ من خياراتها العملانية فيها ضد أعدائها.
كذلك يرد في التعليقات العبرية أن إسرائيل معنية بالإبقاء على وجود عسكري أميركي بري في سوريا من أجل موازنة النفوذ الروسي فيها. هذا الوجود كان في ذاته أحد أهم الأسباب في تشكيل قواعد الاشتباك بكل ما يتعلق بإسرائيل وأسهم في تمكينها من دفع الروسي لمراعاة جزء من مصالحها، الأمر الذي ستفقده إسرائيل، مع أو من دون كَون القوة الأميركية المنسحبة تشكّل، أو لا، ميزاناً عسكرياً وازناً ميدانياً.
تفقد إسرائيل أيضاً تقسيماً جغرافياً كان ملائماً ومسيطراً عليه من حليفها الأميركي، وكان «يقطع» طريق العراق البري عن إيران باتجاه سوريا، وكان من شأنه تشكيل كابح لجهود ما تسميه تمدّد إيران وتعاظم نفوذها، وفي بقعة جغرافية واسعة جداً بالقرب من حدودها.
في مقلب آخر يتعلق أيضاً بالمصالح الإسرائيلية في المنطقة وتوجهات التطبيع العربي معها، من الممكن أن يتأثر سلباً لارتباطه الوثيق بالولايات المتحدة، إذ ترى إسرائيل، وهو كذلك، أن الانسحاب من سوريا يُثبت للعالم أن الولايات المتحدة هي «حليفة بضمانة محدودة»، وإعادة التأكيد أن أميركا تترك خلفها حلفاءها ربطاً بتغيير الظروف والمصالح. وبحسب التعليق الإسرائيلي أيضاً، «انسحاب القوات الأميركية هو رسالة مدوّية لبقية حلفائها في الشرق الأوسط: السعودية، والأردن، وإمارات الخليج، ومصر وغيرها. معنى القرار هو أنه في الحقيقة لا يمكن التعويل على الولايات المتحدة. إنها ضربة شديدة للأكراد أيضاً، الذين يشعرون مرة أخرى بأنه تمت خيانتهم».
في العودة إلى موقف نتنياهو وتشديده على الاستمرار في استهداف إيران وحلفائها في سوريا، يشار إلى أن الاستمرار يأتي بعد الفعل والاستهداف. عندما تعمد إسرائيل إلى استئناف الهجمات في سوريا المتوقفة منذ أشهر للتعذر، يمكن لنتنياهو أن يهدّد باستمرارها.