لم يكن ظهور الرئيس، عبد الفتاح السيسي، في افتتاح عدد من المشروعات خلال الأيام القليلة الماضية سوى جزء من رغبته في الحديث واستعراض «الإنجازات» التي يرى أنها «تستحق الدعم والإعلان»، في وقت يجدد فيه انتقاده للإعلام، لأن الأخير لا يتحدث كفاية عن تلك الإنجازات، رغم تحول جميع الشاشات المصرية بلا استثناء إلى منبر بصوت واحد، يحكي ليل نهار عن مشروعات الرئيس وتوجيهاته وقراراته التي «تصبّ في مصلحة المواطن». السيسي، الذي كتم حرية الرأي والتعبير بصورة غير مسبوقة، وعاد بالقاهرة إلى ما قبل 2005 إبّان الصوت الإعلامي الواحد أيام محمد حسني مبارك، لا يزال غير راضٍ عن الإعلام رغم حالة السيطرة وتكميم الأفواه، بعدما أجلس كلاً من المعارضين ومخالفي التعليمات من المؤيدين في منازلهم، وغادر غير المرغوب فيهم البلاد، بإرادتهم أو مضطرين. مع ذلك، يرى «الجنرال» أنه ليس قادراً على توجيه الإعلام كما يريد، وهذا غير مرتبط بفقدان الرؤية لدى الرئاسة فقط، بل لإدراكه حالة الغضب المكتومة في الشارع، في وقت رصدت فيه الأجهزة الأمنية تحوّل المشاهدات في البيوت والمقاهي إلى القنوات التي تبث من تركيا، ما أدى إلى التعميم على المقاهي ــــ حتى في المناطق الشعبية ــــ بمنع تشغيل تلك المحطات وسط رقابة شديدة.

صحيح أن الرئيس أنجز بعض الأمور الداخلية بالنسبة إلى المصريين مثل مشروعات الإسكان الاجتماعي وإطلاق حملة علاج فيروس C لمرضى الكبد، لكن الثمن الذي حصّله كان باهظاً، ليس من ميزانية الدولة فقط، بل من جيوب المواطنين. فمشروع الإسكان الذي قفزت أسعاره بزيادات تصل إلى ثلاثة أضعاف في السنوات الأربع الماضية جاء تمويله ذاتياً، بل تحققت أرباح منه ومن باقي مشروعات الإسكان المتوسطة وفوق المتوسطة والفاخرة، وقيل إن عائداتها استعملت لإنشاء مساكن خاصة لسكان العشوائيات في «مشروع قومي» يريد السيسي الانتهاء منه بحلول منتصف العام المقبل.
وبينما تتحدث الدولة عن زيادة مخصصات التعليم والصحة، يتبادر السؤال عن موارد هذه الزيادة وكيفية توجيهها، إذ إنها انتزعت من الأموال المخصصة للدعم، كذلك فإنها كانت أقل بكثير من الزيادات المنصوص عليها في دستور 2014 الذي كتب بعد «30 يونيو»، إضافة إلى أن هذه الزيادات لم تسهم في تحسين المنظومة الصحية كلياً بعدما اكتُفي بالتوسع في إنشاء مستشفيات ومراكز طبية دون تطوير المعدات المتطورة أو الخدمات التي تشهد نقصاً حاداً وتدنياً في الأجور دفع غالبية طلاب الطب إلى الهجرة.
أما أسلوب السيسي في افتتاح المشاريع الأخيرة، مهما كانت بسيطة، فتغير إلى اعتماد تقنية «الفيديو كونفرنس»، إذ يشرف على افتتاح مواقع كثيرة بوجود المسؤولين عنها عبر الشاشة، وفي المكان يقف المسؤول المدني أو العسكري لساعات في انتظار الإذن برفع الستار عن لوحة تذكارية تحمل اسم الرئيس، لكنها تُزال فور الانتهاء من الاحتفال.

عَمدَ الرئيس إلى افتتاح المشاريع أخيراً عبر «الفيديو كونفرنس»


من جهة أخرى، يواصل «الجنرال» توجيه الانتقادات إلى مواطنيه، خاصة الذين لم يرضوا عن عهده، لكنه هذه المرة حمّل المصريين مسؤولية الأمراض التي يعانون منها، وتحديداً السمنة لدى قطاع كبير منهم، إضافة إلى فيروس C، على أنه استند في ذلك إلى نتائج حملة الفحوصات التي بدأت للكشف عن 100 مليون مواطن في محافظات الجمهورية. وبعيداً عن النقاش في أسباب هذه «العادات الغذائية» غير السليمة، يغفل السيسي الحياة غير الطبيعية للناس المضطرين إلى العمل على مدار الساعة لتعويض آثار القرارات الاقتصادية من دون قدرة على الحصول على فراغ للراحة أو الرياضة، فضلاً عن أن مشكلة الفيروس المذكور ترتبط بإشكالات تتحمل الدولة جزءاً كبيراً من مسؤوليتها.