القاهرة | تعدّ الحكومة المصرية لخطة قالت إنها صُمّمت لتطوير منطقة الأهرامات ضمن تصوّر يُفترض اكتمال تطبيقه حتى عام 2022، وذلك لتحويلها إلى «أضخم منطقة أثرية مفتوحة في العالم» ستحوي الأهرامات و«المتحف الكبير» الذي سيُفتتح عام 2020. يأتي ذلك في مواصلة لسياسة الخصخصة التي تقضي بالتخلص من الدور الرئيسي للدولة في إدارة عدد من المرافق ضمن خطة خفض العمالة في القطاع الحكومي وإحلال شركات القطاع الخاص.

والآن وصل الدور إلى المناطق الأثرية التي سيكون نموذجها الأبرز أهرامات الجيزة، إذ عانت في آخر عقدين مشكلات كثيرة بسبب فقدان التطوير والتجهيزات التي تناسب المنطقة التاريخية الأهم في العاصمة قياساً إلى عدد الوافدين إليها، فضلاً عن معاناة المصريين أنفسهم خلال زيارتها. فهناك يتهافت الخيّالة والجمّالة ومندوبو «البازارات» بصورة تجعل الزوّار ينفرون من المكان، إضافة إلى تقديم مندوبين «خدمات غير مشروعة»، منها مثلاً قصّ قطع حجرية من الهرم نفسه.
في الخطة الجديدة، سيُحوّل الطريق المروري هناك بعد إزالة نادٍ تابع للجيش وبعض المباني كي تُفتح المنطقة كلياً، على أن توفر وسائل خاصة تنقل زائري الأهرامات من المتحف وإليه، لتكون المنطقة قطعة واحدة تُمكن الحركة فيها بحرية. وبينما من المقرّر أن تتضمن المنطقة الجديدة محلات ومقاهي، ستُوفّر رحلات «طيران شارتر» ليوم واحد لزائري باقي المدن اعتماداً على مطار «سفنكس» المنوي افتتاحه قريباً، ويبعد عن الأهرامات أقل من 30 كلم.
أما «المتحف الكبير»، فهو مشروع بدأ العمل فيه قبل 20 عاماً ليكون «أكبر متحف آثار في العالم»، علماً بأن ما سيُفتتح في 2020 هو المرحلة الأولى منه ضمن 3 مراحل دُشِّنَت بمنح ومعونات من دول عدة وتمويل حكومي بعدما أخفقت محاولات الاكتتاب الشعبي لتمويل المشروع. لكن، تعتمد خطة الحكومة على تحوّل تدريجي في إدارة المنطقة الجديدة، لتكون وظيفتها تحصيل العائد المالي فقط، بينما يدير المطورون من الشركات الخاصة المنطقة وفق ضوابط خاصة بهم.

تسلمت شركة «أوراسكوم» التابعة لنجيب ساويرس منطقة الأهرامات


الغريب أن وزارة الآثار رفضت إسناد الإدارة إلى شركة حكومية تُؤسس لهذا الغرض، خاصة بعد إخفاق الوزارة في إدارة المناطق الأثرية عامة. وتقول مصادر إن اختيار الشركات الخاصة سيكون وفق ضوابط متعددة «أهمها البعد الأمني»، إذ أعلنت «الآثار» حصول شركة «أوراسكوم»، التي يملكها رجل الأعمال نجيب ساويرس، على حق تقديم الخدمات وتشغيلها للزائرين في الأهرامات، مع احتفاظ «المجلس الأعلى للآثار» بحق إدارة المنطقة.
وقالت الوزارة إن دور الشركة هو التسويق والترويج وتشغيل ساحة انتظار الحافلات خارج الأهرامات، مع تشغيل وسائل نقل السياح وصيانتها، إذ سيُمنع دخول السيارات والحافلات الأخرى كلياً. أيضاً ستشرف «أوراسكوم» على إدارة وتشغيل قاعة عرض سينمائي قرب الأهرامات، وإقامة دورات مياه متنقلة، وتنظيم عدد من الأنشطة الترفيهية.

أقام أحد رجال الأعمال حفل زفاف لابنته داخل حرم «معبد فيله»


هكذا، تسعى الحكومة إلى تطبيق خصخصة الآثار مع شركات أخرى تتولى الإدارة والجباية المالية لمصلحة الوزارة المعنية، وهي خطوة سيُتوسع فيها قريباً، مع احتجاج الدولة بأن لها الحق في فسخ التعاقد مع الشركات في حال الإخلال بشروط التعاقدات، كما يتزامن ذلك مع سعي الحكومة إلى رفع تدريجي لأسعار «الدخول» للمتاحف المصرية وجميع المواقع الأثرية، وأيضاً ستُرفع رسوم التصوير داخل هذه المناطق خاصة الفيديو.

لماذا «أوراسكوم»؟
لم يكن إسناد تطوير منطقة الأهرامات إلى «أوراسكوم» مفاجئاً، خاصة مع اهتمام مجلس الوزراء بالأمر والموافقة على التعاون مع هذه الشركة، ضمن اتفاق يشمل تدريب أصحاب الحرف المختلفة في المنطقة، علماً بأن تخطيط الشركة للمنطقة يشمل تحديد مناطق معيّنة لسير الجمال وأماكن أخرى للمشاة، فضلاً عن دراسة إقامة مسرح آخر يستوعب أعداداً أكبر من الحضور لفعاليات فنية تحت سفح الهرم.
ويحق للشركة وضع مداخل جديدة وتوسيع شبكة الطرق المحيطة بالمنطقة لتقدم مزيداً من الخدمات، لكن الحكومة لم تعلن حتى الآن، رغم مرور أيام على توقيع التعاقد، مدته أو الرسوم التي ستسددها الشركة، في وقت اكتفى فيه مالكها، نجيب ساويرس، بتأكيد أن هذه الخطوة تأتي من أجل دعم الدولة.
وكانت «الآثار» قد طبقت سياسة الخصخصة في أكثر من موقع سلفاً، وقبل أسابيع أقيم لأحد رجال الأعمال حفل زفاف لابنته داخل حرم «معبد فيله»، الذي أغلق بالكامل من أجل الحفل. لكن الوزارة اليوم تبدو أكثر قدرة على التعامل مع هذه الانتقادات، خاصة أن التمويل جاهز والرسوم تسدد، لكن الخطر الذي يحذر منه المتخصصون هو غياب آليات التفتيش والرقابة التي تضمن عدم تعرض الآثار للضرر أو للسرقة.



«أوراسكوم» تسيطر منفردة
بعد إعلان وزارة الآثار الاتفاق مع شركة «أوراسكوم» لتطوير منطقة الأهرام وإدارتها، بدأت الحكومة تمهيد إحكام «أوراسكوم» سيطرتها على المشروع كاملاً عبر فسخ التعاقد الذي أبرمته الشركة قبل ثلاث سنوات كشراكة مع شركة «بريزم انترناشيونال» الفرنسية لإدارة وتطوير عروض الصوت والضوء في الأهرامات. وتقول الحكومة إن سبب القرار انقضاء 3 سنوات على الاتفاق «من دون تقدم ملموس»، في وقت يتصاعد الخلاف بين شقي التحالف بصورة تعيق العمل في المشروع.
وكانت الدولة قد أسندت تطوير المنطقة إلى ذلك التحالف الذي فاز بالمناقصة لوجود الشركة الفرنسية نظراً إلى تولّيها مسؤولية عروض الصوت والضوء في برج خليفة في دبي، علماً أن الحكومة كانت تأمل في الحصول على 130 مليون دولار من الضرائب على مدار 20 عاماً. والآن، ستتقدم «أوراسكوم» (نجيب ساويرس) منفردة بعدما أنفقت نحو 30 مليون جنيه على المنطقة خلال السنوات الماضية، إذ تتهم شريكتها الفرنسية بأنها لم تلتزم ما كان عليها، مدعية أنها ستلاحقها أمام التحكيم الدولي لفسخ التعاقد المبرم بينهما، مع أن شركة ساويرس كانت قد اختارت التحالف مع هذه الشركة الفرنسية بدلاً من «سيتي ستارز»، وذلك لمدة 20 عاماً بتكلفة 50 مليون دولار.