واصلت إسرائيل التعبير عن الصدمة وخيبة الأمل، في أعقاب قرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوة العسكرية الأميركية من الأراضي السورية. القرار الذي وُصف بـ«الصفعة» و«الهروب الأميركي» و«المزاجية»، عُدَّ في تل أبيب أيضاً إضاعة فرصة كادت أن تكون وحيدة في مواجهة ما تسميه «تمركز» إيران وحلفائها في سوريا. وإضاعة الفرصة يصطفّ إلى جانب تلمُّس إسرائيل إخفاق كل الخيارات الأخرى للحؤول دون تهديد تعاظم إيران المرشَّح، بحسب التعليقات الإسرائيلية، إلى المزيد من «التمركز» بعد الانسحاب الأميركي.

في التجاذب الإسرائيلي حول قرار الانسحاب إرادتان: الأولى تعمل على التخفيف من وطأة القرار وتقليص تداعياته في وعي الإسرائيليين والأعداء على السواء، عبر أساليب وطرق شتّى قادها من اليوم الأول رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، والثانية نقيضة وأكثر انتشاراً بين المعلقين الإسرائيليين، مع توسع حاد في التعبير عن «الصدمة» والتهجم على نتنياهو نفسه، وربما بما يزيد على مستوى سلبيات الانسحاب وحدوده الفعلية.
أمس، برز في التجاذب تراجع في إرادة تخفيف الوطأة عمّا كان عليه، في مقابل زيادة في التعبير عن «المأزق» وتداعياته السلبية، مع اتهام نتنياهو بالسطحية والفشل والإخفاق في كل ما يتعلق بسياسته الخارجية، التي ركزت على «التقاط الصور» مع زعماء الدول بدل النتائج الصلبة على الأرض. في ذلك، شبّه عدد من المعلقين علاقة ترامب بنتنياهو، تماماً كما هي علاقة بوتين به، في أنها متمأسسة على بناء زائف، وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»: أخطأ نتنياهو في تزلفه الزائد لترامب وبوتين، كما أخطأ في الثقة الزائدة لديه في قدرته على إدارتهما، لافتة إلى أن القلق من تصرفات وخطوات الإدارة الأميركية هي التهديد الأول الذي يسبق أي تهديد آخر، و«ما يحصل في واشنطن ينبغي أن يُقلق إسرائيل لا أقل مما يجري في سوريا. وعن هذا قيل: اللهم احفظني من أصدقائي، ومع أعدائي سأتدبر أمري».
في توصيف التهديدات ما بعد تنفيذ القرار الأميركي وردت خشية إسرائيلية، جرى التشديد عليها في تعليقات الإعلام العبري أمس، وأيضاً على لسان عدد من المسؤولين: ما تأثير الانسحاب على الحرب الدائرة بين إسرائيل من جهة وإيران وحلفائها من جهة ثانية، سواء في سوريا و/ أو لبنان، أو في الإقليم بصورة عامة. الإجابات لم تكن متفائلة، بل محذرة ومعبّرة عن مستوى مرتفع جداً من خيبة الأمل والتشاؤم من الآتي في ضوء المستجد الاميركي، وبما يفضي إلى «قلب المعادلات واستيلاد أخرى غير مواتية للمصالح الاسرائيلية». بحسب تعبير عضو لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، نحمان شاي، «خروج القوات الأميركية من سوريا سيؤثر على المدى القصير والبعيد بمجمل الشرق الأوسط».

هاجمت افتتاحية «هآرتس» نتنياهو و«انصياعه» التام لترامب


في التعبير عن هذا القلق، هاجمت افتتاحية «هآرتس» أمس نتنياهو وسياسته و«انصياعه» التام لترامب من دون أن يحفظ خط الرجعة: «كلام رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن أن إسرائيل ستواصل العمل بصورة شديدة جداً ضد المحاولات الإيرانية للتمركز في سوريا، لا يمكن وممنوع أن يغطي ويطمس الصفعة المدوية التي تلقتها سياسته المتملّقة أمام ترامب وإدارته. وضع نتنياهو عن سابق إصرار وعمد كل البيض في سلة رئيس أميركي مزاجي بلا مشاعر ويهتم فقط بمصالحه الخاصة. وها هي إسرائيل تدفع ثمن ذلك».
في «هآرتس» أيضاً تحذير من التداعيات السلبية على خيارات إسرائيل في مواجهة التهديد الإيراني في سوريا، مع توقع الفشل في المواجهة، رغم كل المواقف والتصريحات التي حاولت التخفيف من وطأة القرار الأميركي. تشير الصحيفة إلى أن «ترامب أنهى كل خطط مستشاريه وجنرالاته، الذين كانوا قد أوضحوا خلال الأشهر الماضي، ومن بينهم وزير دفاعه المستقيل جيمس ماتيس، وكذلك مستشاره للأمن القومي جون بولتون، في أن الوجود الأميركي في سوريا مخصص لصدّ الانتشار الإيراني وكبح التأثير الروسي في الشرق الأوسط ولتحصين المكانة الدولية للولايات المتحدة». الواضح، تضيف الصحيفة، أن ترامب مسح كل الخطط الموضوعة من فريقه من خلال تغريدة واحدة، ومسح معها الرهان الإسرائيلي: سحب القوة الأميركية من سوريا.
في «تفاخر» نتنياهو بأنه تلقى من ترامب إخباراً عن نية سحب القوات من سوريا، أشارت القناة العاشرة إلى أن المكالمة الهاتفية بين الجانبين، جاءت بمبادرة من نتنياهو الذي اتصل بترامب وحاول إقناعه بالعدول والتراجع عن قراره، لكن ترامب لم يترك أي هامش للمناورة ووضع نتنياهو أمام قرار نهائي لا رجعة عنه، وأبلغه بصورة حاسمة أنه قرر الخروج من سوريا، وعند هذه النقطة أنهى الحديث الهاتفي معه.
في تأثير الخطوة الأميركية على مواجهة إيران، كادت التعليقات تكون متطابقة، ومن بينها ما ورد على شاشة القناة العاشرة: الانسحاب الأميركي من سوريا حدث محزن لإسرائيل، إذ إن هذا الانسحاب سحب بدوره من يد إسرائيل الورقة الوحيدة التي كانت قد بقيت لها في المعركة التي تخوضها لمواجهة «التمركز» الإيراني، كما التمركز الروسي أيضاً، في الساحة السورية.