بعد أقلّ من أربع وعشرين ساعة على تبنّي مجلس الأمن الدولي القرار 2451، الذي أقرّ نشر مراقبين أمميين في مدينة الحديدة للإشراف على عملية وقف إطلاق النار والانسحاب العسكري، وصل رئيس «لجنة تنسيق إعادة الانتشار»، الجنرال الهولندي المتقاعد باتريك كاميرت، إلى اليمن، تمهيداً لبدء عمل فريقه يوم الأربعاء المقبل. انطلاقة منتظرة يُتوقع أن تفتح الباب أمام خطوات أكثر تقدماً على طريق تنفيذ تفاهمات السويد، بما يمهّد لانعقاد جولة تفاوضية جديدة ستعكس حتماً موازين القوى الحالية المائلة لمصلحة الجبهة المناهضة للعدوان، على رغم اجتهاد السعودية والإمارات وحلفائهما في تصدير تفسيرات منافية للواقع.

وأعلن الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أمس، أن «لجنة التنسيق»، المكوّنة من ستة أعضاء موزّعين مناصفة بين الطرفين، ستعقد أول اجتماع لها في الـ26 من كانون الأول/ ديسمبر الجاري. وسيعقب هذا الاجتماع زيارة يقوم بها رئيس اللجنة، اليوم الإثنين، إلى ميناء الحديدة، التي وصلها الأحد قادماً من العاصمة صنعاء. والتقى كاميرت، في صنعاء، مندوبي حكومة الإنقاذ في «لجنة التنسيق» برئاسة اللواء علي الموشكي. وسبق اللقاء مع الموشكي ورفاقه اجتماعٌ في عدن بين كاميرت وممثلي حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، في اللجنة، والذين يرأسهم العقيد صغير بن عزيز. وكان الجنرال الهولندي وصل أول من أمس إلى عدن، في وقت حطّ مساعدوه البالغ عددهم ستة (أربع نساء ورجلان) في صنعاء.
وجاءت لقاءات كاميرت اليمنية بعد ساعات من وصول فريق المراقبة الأممي، المؤلّف من 30 عنصراً، إلى مدينة الحديدة، يوم الجمعة. وأوضح عضو وفد صنعاء التفاوضي، حميد عاصم، أن الفريق المذكور إنما هو تابع لـ«لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقّق والتفتيش»، التي كانت متمركزة في جيبوتي حيث تتولّى تفتيش الشحنات المتجهة إلى اليمن. وأشار عاصم، في تصريح إلى «الأخبار»، إلى أن نقل اللجنة إلى مؤسسة موانئ البحر الأحمر، التي تتولّى إدارة ميناء الحديدة وتشغيله، «سيسهّل حركة وصول السفن إلى موانئ الحديدة، وينهي التعقيدات والإجراءات التي كانت تعيق ذلك، كما وأنه سيخفف تكلفة النقل». والمقصود بتلك التعقيدات أن تفتيش السفن في جيبوتي، أو إيقافها من قِبَل بوارج «التحالف» في المياه الإقليمية اليمنية، كان يكبّد الشركات المستوردة خسائر فادحة قد تصل إلى ما بين 5 آلاف و10 آلاف دولار عن كل يوم تأخير للشحنة الواحدة، مع الإشارة هنا أيضاً إلى أن إعادة تشغيل ميناء رأس عيسى النفطي ستخفّف الضغط عن ميناء الحديدة بنسبة 50%، مع ما يعنيه الأمر من رفع الطاقة الإنتاجية للأخير، وتقليص الخسائر التي كانت تنجم عن تأخّر رسوّ السفن فيه.

يتكوّن فريق المراقبة الأممي من 30 عنصراً انتقلوا من جيبوتي إلى الحديدة


وترافق انتقال الجنرال الهولندي إلى الحديدة مع تسجيل خروقات للهدنة المعلنة في المحافظة منذ فجر الثلاثاء الماضي. وأشار الناطق باسم الجيش اليمني واللجان الشعبية، يحيى سريع، إلى أن «مرتزقة العدوان يستغلون التزام قوات الجيش واللجان بضبط النفس»، متحدثاً عن «47 خرقاً خلال الساعات الـ24 الماضية، بالتزامن مع تحليق الطيران الحربي والاستطلاعي في أجواء المدينة، وطيران الأباتشي فوق الدريهمي»، في حين اتهمت القوات الموالية لـ«التحالف»، «أنصار الله»، بـ«السعي إلى تفجير الأوضاع من جديد»، والدفع نحو «انهيار اتفاق وقف إطلاق النار». وعلى رغم تلك الخروقات والاتهامات المتبادلة، إلا أن الهدنة حافظت على تماسكها، بعدما لم تَدُم المواجهات التي اندلعت شرق المدينة أكثر من ساعة عاد على إثرها الهدوء إلى محيط مركز المحافظة، وفق ما أفادت به مصادر محلية «الأخبار».
ويفتح استمرار التهدئة على جبهة الساحل الغربي، توازياً مع انطلاق آلية المراقبة الأممية، الباب على الانتقال إلى مرحلة أشمل يُنتظر أن تبحث الترتيبات الأمنية والسياسية على مستوى اليمن ككلّ. مرحلة تستعدّ «أنصار الله» لدخولها بسقف عالٍ وأوراق تفاوضية قوية، بعدما استطاعت تجاوز «قطوع الحديدة» بأقلّ الخسائر الممكنة، حائلة دون سقوط المدينة الساحلية بأيدي «التحالف» والقوى المحلية الموالية له. ولعلّ ذلك هو ما يؤكده إعلان عضو وفد صنعاء التفاوضي، عبد الملك العجري، أن «الوفد الوطني سيضع نصب عينه (في المرحلة المقبلة) إخراج اليمن من تحت البند السابع والوصاية الدولية»، لافتاً إلى أن الوفد «حرص، في خلال مشاورات السويد، على إدراج بندين أساسيين في الإطار السياسي، وهما انسحاب القوات الأجنبية، ورفع اليمن من تحت الفصل السابع». في المقابل، لا تجد الحكومة الموالية لـ«التحالف»، التي بدا امتعاضها واضحاً عقب إرغامها من قِبَل السعودية على قبول اتفاق الحديدة، سوى التمسك بالقرار 2216، على رغم أن الأخير طُويت صفحته عملياً بصدور القرار 2451، فيما تتمسّك الرياض وأبو ظبي باللازمة القائلة إن ضغطهما العسكري هو الذي حمل «أنصار الله» على الركون إلى الحلّ التفاوضي. لافتات إعلامية تستهدف التغطية على حقيقة أن «التحالف» يجد نفسه، بعد ثلاث سنوات ونصف سنة من إطلاق «عاصفة الحزم»، مجبوراً على النزول عن الشجرة، مع وصول الحرب إلى طريق مسدود، واشتداد الضغط الدولي في اتجاه إيقافها.