لن تنتظر تركيا والولايات المتحدة موعد اجتماع اللجنة المشتركة بين البلدين في الثامن من كانون الثاني المقبل، والمقرر عقده في العاصمة الأميركية واشنطن، لبحث آليات تنسيق الانسحاب العسكري الأميركي المفترض من سوريا، إذ تستقبل أنقرة خلال الأسبوع الجاري وفداً عسكرياً أميركياً في زيارة خاصة لهذا الغرض. ويلبّي هذا الموعد المستعجل بالدرجة الأولى، الطموحَ التركي لحسم ملف شرق الفرات سريعاً وقطعَ الطريق أمام بروز احتمالات مختلفة، وخاصة أن «مجلس سوريا الديموقراطية» بات يبحث عن تحالفات دولية ومحلية يمكنها استبدال الغطاء الأميركي الآيل إلى الزوال قريباً. هذا الطموحٌ لدى أنقرة، تؤشر إليه التحركات العسكرية الناشطة قرب الحدود التركية ــــ السورية، رغم الإعلان السابق عن تأجيل أي تحرك عسكري في مناطق شرق الفرات. فقد واصل الجيش التركي نقل مئات من الآليات المدرّعة والدبابات إلى المواقع الملاصقة للحدود، إلى جانب تحضير عناصر من فصائل «الجيش الوطني» ترقباً لأي انتشار بري محتمل. وفي موازاة ذلك، لا تزال أنقرة تعيش «نشوة» قرار البيت الأبيض الأخير، مؤكدة دور الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، المهم في إقناع دونالد ترامب بالمضي في هذا الخيار. المتحدث باسم الرئاسة التركية ابراهيم قالن، أشار أمس، في مؤتمر صحافي، إلى أن تفعيل الانسحاب الأميركي جاء خلال «المكالمة التاريخية» بين ترامب وإردوغان في 14 كانون الأول الجاري، وبعدما «دفعَ إردوغان ترامب إلى هذا القرار بدواع مقنعة». هذا التباهي التركي أُردف بحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس الأميركي لتركيا خلال العام المقبل، وتأكيد من قالن على أن التعزيزات العسكرية على الحدود توضح أن الجانب التركي «سيواصل الوجود على الأرض وعلى طاولة التفاوض» معاً. ووفق ما نقلت وكالة «الأناضول»، فقد وصلت قافلة عسكرية تضمّ مدافع «هاوتزر» وبطاريات مدفعية ووحدات مختلفة من الجيش، إلى منطقة إلبيلي الحدودية في محافظة كيليس. وذكرت وكالة «إخلاص» التركية أن بعض معدات وأفراد تلك القافلة عبروا الحدود السورية إلى ريف حلب الشمالي، على أن يستكمل دخولها تباعاً. كما أرسل الجيش التركي تعزيزات إلى بلدة أقجة قلعة (المقابلة لبلدة تل أبيض على الجانب السوري من الحدود) وإلى قضاء جيلان بينار في ولاية شانلي أورفا.

ومع تجدد تهديدات إردوغان بتصفية «وحدات حماية الشعب» الكردية و«استعادة حرية الأشقاء العرب والأكراد» السوريين، أشار قالن خلال حديثه الصحافي إلى أن بلاده ستواصل التنسيق مع روسيا في شأن تطورات شرق الفرات. هذه الإشارة الرسمية التركية المتكررة للتنسيق مع موسكو، جاءت فيما زار أمس وفد يمثل «مجلس سوريا الديموقراطية» العاصمة الروسية لبحث ملف الانسحاب الأميركي ومصير منطقة سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية». الزيارة لم يجر تأكيدها أو الإعلان عنها من أي من الطرفين، غير أن وكالة «أسوشيتد برس» الأميركية نقلت عن «الرئيسة المشتركة للهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديموقراطية» إلهام أحمد، تأكيدها أن المجلس «سيتعامل مع أي طرف يمكنه أن يحمي استقرار البلاد»، مضيفة إن هناك محادثات جارية مع روسيا والحكومة السورية وعدد من البلدان الأوروبية، حول آليات التعامل مع الانسحاب الأميركي، من دون أن تعطي أي تفاصيل عن تلك المحادثات، وفق ما نقلت عنها الوكالة أمس. ولم تخرج حتى وقت متأخر من ليل أمس أي تفاصيل عن مجريات تلك الاجتماعات التي أجريت في موسكو. وبدا لافتاً أمس، تكرار صيغة التشكيك الروسية باحتمال التزام واشنطن بقرار الانسحاب، إذ أشار نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، إلى أن بلاده لا تؤمن بنيات الولايات المتحدة... ولا ترى أي جديد في السياسة الأميركية. غير أنه أضاف إنه إذا غادر الأميركيون سوريا فعلاً، فإن ذلك سيكون «خطوة مهمة وجدية».

فتح «مجلس سوريا الديموقراطية» قنوات اتصال مع موسكو ودمشق


هذه التطورات جاءت بعد وقت قصير من إعلان وزارة الدفاع الأميركية توقيع قرار سحب القوات العسكرية من سوريا، من دون الإدلاء بمزيد من التفاصيل عن الآليات والمواعيد الخاصة بهذه الخطوة. ومن المفارقات اللافتة أن جايمس ماتيس الذي استقال من منصبه اعتراضاً على خطط البيت الأبيض، وسيبعد في مطلع العام المقبل قبل شهرين من انتهاء ولايته، هو من وقّع القرار أمس. وقبل أن يفرغ الرئيس الأميركي من التأكيد على صواب قراره، خرج أمس عبر «تويتر» ليقول إن «السعودية وافقت الآن على إنفاق الأموال اللازمة للمساعدة في إعادة إعمار سوريا، بدلاً من الولايات المتحدة الأميركية» متسائلاً في التغريدة نفسها: «أليس من الجيد أن تقوم الدول الفاحشة الثراء بمساعدة جيرانها في عملية إعادة الإعمار، بدلاً من دولة عظمى (أميركا) تبعد 5000 ميل... شكراً للسعودية». التغريدة التي أتت في توقيت حساس وسط رهانات مفتوحة حول شمال شرق سوريا، لم يتضح إن كانت تشير إلى الأموال التي سبق أن دفعتها السعودية وغيرها من البلدان الحليفة لواشنطن، لدعم «استقرار المناطق المحررة من داعش» في شرق الفرات، أو تتحدث بشكل أعمّ عن دور مستقبلي مفترض للسعودية في إعادة إعمار سوريا عموماً؛ وخاصة أن مصير دفعة الأموال الماضية لا يزال مجهولاً في ظل الانسحاب الأميركي، بعدما كان يفترض أن تشرف المؤسسات الأميركية ــــ بحماية القوات العسكرية ــــ على تحويلها نحو ترميم البنى التحتية ودعم الهيئات المحلية.



بغداد: لا طلب لدخول قواتنا إلى الأراضي السورية
نفت بغداد أن تكون قد تلقت طلباً أميركياً بدخول قوات عراقية إلى الأراضي السورية بعد انسحاب مرتقب للقوات الأميركية. ونفى رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، خلال مؤتمر صحافي، ما أوردته تقارير إخبارية عن وجود هذا الطلب من جانب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو. وقال إن «وزير الخارجية الأميركي أبلغنا بالانسحاب من سوريا، وأكد التزام واشنطن بدعم العراق»، مضيفاً إن «قرار الانسحاب له تأثير مباشر على العراق... ولكن تم اتخاذ إجراءات احترازية لمواجهة أي تداعيات». ولفت إلى أن «العراق يتمتع بعلاقات جيدة مع جميع دول الجوار، ومع غالبية القوى في سوريا».