هما شعبٌ واحدٌ بالجغرافيا التاريخية لجنوبيّ سوريا؛ وبالجغرافيا السياسية من حرب 1948، وضمّ القدس والضفة الغربية للمملكة الأردنية الهاشمية، الوحدة عام 1951 والانفصال عام 1974 (من جهة منظمة التحرير الفلسطينية) وعام 1988 (من جهة عمّان)؛ وبالجغرافيا السكّانية، من اللجوء والمواطنة، والاندماج الاقتصادي والاجتماعي، والتجربة السياسية.


علاقة الفلسطينيين بالأردن، وبالأردنيين، مجهّلةٌ، وما تزال محكومةً بحدث محدود طارئ لم يخترق المجتمع وظل على حدوده البرانية، يتمثل بصدامات أيلول 1970؛ لم تكن تلك، بأي معنى من المعاني، حرباً أهلية؛ كانت صداماً بين شرعية ودولة مملكة الضفتين، وشرعية و«دولة» فلسطين المستقلة بقيادة فتح، وقد نأى المجتمع عنها، بل وسعى الطرفان المتقاتلان ــــ برغم الدعاية والضجيج ــــ إلى تخفيض الخسائر (بالمقارنة مع الحروب اللاحقة، تبدو أيلول 1970، اليوم، كحرب افتراضية) وحصر المواجهات في بعدها السياسيّ الصرف: بانتصاره، عسكرياً، خسر الملك حسين، سياسياً، وربح ياسر عرفات، جولة العمر: حقّ تمثيل الفلسطينيين الموحّدين في كيان واحد لمنظمة التحرير. نتائج أيلول 1970، تحققت في قمة الرباط 1974، حين جرى الاعتراف بالمنظمة «ممثلاً شرعياً ووحيداً». وليست مفارقة أن هذا ما كان يريده، في الواقع، رجال الـ70، وصفي التل وحابس المجالي وسواهما من رجال الدولة الأردنية التي قررت استعادة شخصيتها الخاصة لما قبل 1951. وكانت تلك الاستعادة، عنوان السبعينيات الأردنية في الجيش وجهاز الدولة والقطاع العام والإعلام والجامعة والثقافة الخ، وإعادة تكوين الحركة الوطنية، وشعارها: أردن وطني ديموقراطي، ودولة فلسطينية مستقلة بقيادة المنظمة.
ما حدث، في النهاية، هو انفصال الدولة (الأردنية) ومشروع الدولة (الفلسطينية). وبالانفصال، وبغض النظر عن انشغالات النظام والمنظمة، ذهب الأردنيون، على كل مستوى، نحو بناء الذات الوطنية؛ جرى تأسيس «شرق الأردن» من جديد، ووجد في المهاد المشرقي، حليفين : البعث السوري (في صراعه مع «المنظمة») والبعث العراقي (في صراعه مع إيران الخميني). حافظ الأسد وصدام حسين، شريكا الملك حسين في السياسة الأردنية الداخلية، قدّما كل ما يلزم من دعم لعملية سياسية، اقتصادية وأمنية ودفاعية، أنشأت الكينونة الشرق أردنية، وحمتها من الضغط الإسرائيلي (ونقيضه الفلسطيني) معا؛ في ربيع 1989، أصبحت هذه الكينونة جاهزة للتعبير الشعبي عن نفسها في ما عُرف بانتفاضة نيسان؛ كانت انتفاضة محافظات، دوافعها المباشرة اقتصادية ــــ اجتماعية تعترض على سياسات خصخصة الدولة ــــ لكن دوافعها العميقة ذهبت نحو إعلان كينونة وطنية مستقلة، واتجهت نحو إعادة ترتيب الدولة جذرياً، حين فاجأها العدوان على العراق وانكفاء صدام حسين وراء الحصار المديد، والتغييرات التي أنتجها تدفق مئات آلاف الفلسطينيين ــــ الأردنيين من الكويت والخليج، ثم أوسلو 1993، ونشأة الظروف التي أدت إلى معاهدة وادي عربة 1994، حين خرج النظام الأردني، موضوعياً، من الدائرة العربية المشرقية، إلى الدائرة الأميركية ــــ الإسرائيلية ــــ السعودية؛ ترسّخ هذا النهج كلياً لدى احتلال العراق 2003، وتضامن مع نهج الخصخصة واقتصاد السوق المعولَم حتى انفجرت الأزمة المالية ــــ الاقتصادية عام 2008، وترجمتها السياسية عام 2010، عودة ظهور الحركة الوطنية ثم الحراك الشعبي لعامي 2011 و2012، وكانت هويته شرق أردنية، و عنوانه الأبرز، إعادة تأسيس الدولة.
السيرة الموازية للتشكّل الكياني الفلسطيني معروفة للقراء، ولن نقف عندها إلا للتذكير بأن الإنجاز الأساسي للحركة الوطنية الفلسطينية، يظل ماثلاً في وحدة الكينونة الفلسطينية بغض النظر عن الوضع السياسي الخاص بالمجموعات الفلسطينية.
هكذا، وُجدتْ، بالنسبة للوضع الأردني، مشكلة تناقضية: شعبٌ واحدٌ ودولة ثنائية الوطنية! ميزانها الديموغرافي ــــ السياسي حسّاس للغاية؛ لقد بلغ المكوّن الفلسطيني من المواطنين، 43 في المئة. وعند هذا الحد يمكن التوصل، كما تقترح أوساط وطنية، إلى شراكة لا تمسّ الهوية، لكن تتصاعد التيارات التي تسعى إلى المحاصصة على الطريقة الطائفية اللبنانية والعراقية، ويغدو خطيراً جداً السجال حول تجنيس وتوطين المزيد من الفلسطينيين تحت أي شعار، إنساني أو سواه. وتحت ضغط المشاريع الأميركية، ومصالح النظام الأردني وقواه، قد ينفلت السجال إلى صراع وصدام. ولا بد، إذاً، من حل وطني ديموقراطي، يكفل، في الآن نفسه، حق الكيان الأردني في التطور السياسي في دولة وطنية، وحق الشعب الفلسطيني في وحدة هويته السياسية ونضاله لإقامة دولته وحقه في العودة إلى أرضه وإعادة بناء كينونته ومجتمعه الخاص، وذلك من دون المساس بالحقوق المعيشية المكتسبة للأشخاص وحقهم في الاختيار.
وإذا ما اعترفنا بكل تلك الحقوق معاً، في سياق المقاومة التاريخية للصهيونية، يمكن حلّ التناقضات الثانوية في الأردن، كالتالي: وحدة الشعب في الحياة والكفاح، وانفصال الدولتين في السياسة، في الانتخابات والمجالس والهيئات السياسية، أما اتحادهما، الضروري، فيمكن في إطار كونفدرالية خماسية مشرقية مقاومة، لا في كونفدرالية ثنائية مرتبطة بإسرائيل.