القاهرة | دخل الرئيس المصري الأسبق، المخلوع، محمد حسني مبارك، ونجلاه، قاعة «أكاديمية الشرطة» في العاصمة القاهرة للشهادة في قضية اقتحام السجون، أي الأحداث التي وقعت إبّان «ثورة 25 يناير». مبارك نفسه كان قد دخل القاعة نفسها قبل 7 سنوات ممدداً على سرير متحرك، بوجه عابس وغير قادر على الحديث، ليحاكم في قضية قتل الثوار التي وقعت في اليوم نفسه لهذه القضية. لكن التسعيني، الذي تغيرت ملامحه كثيراً، حصل على براءة بعد تدمير ضباط الأدلة في القضية التي كانوا متورطين فيها أيضاً، كما مسحوا «الهاردات» التي احتوت على الأوامر وصورت ورصدت الكثير من اللحظات المهمة في أيام حرجة في تاريخ البلاد المعاصر.

لم يكن كثيرون يتوقعون حضور مبارك شخصياً، لا سيما بعدما تمسك محامي دفاعه بضرورة موافقة القوات المسلحة على شهادته بصفته عسكرياً ولم تنتهِ خدمته، وهو ما رفضته المحكمة في الجلسة الماضية من القضية. لكن مجيئه أمس حمل دلالات كثيرة، فالرئيس الذي كان طريح الفراش تحدث كما لو كانت الحياة قد عادت إليه من جديد، وهذه المرة وقف في مواجهة من رفضوا العفو عنه وإبعاده عن القضايا المتوالية بعد الثورة.
وقف الرئيس المخلوع في المحكمة لينتقم من جماعة «الإخوان المسلمون» المحظورة حالياً، وهي الجماعة نفسها التي رفضت عروضاً عدة لإبعاد الرجل وطيّ صفحة الماضي، سواء قبل وصولهم إلى الحكم في انتخابات 2012 عبر مطالبات بتهدئة الشارع، أو حتى بعد وصول محمد مرسي إلى كرسي الرئاسة. فـ«أبو علاء» لا يزال يذكر رفضهم عرض الملك السعودي الراحل عبد الله مليارات الدولارات لإنعاش الاقتصاد مقابل خروجه من البلاد، إذ حشدت الجماعة آنذاك في الشارع من أجل الضغط على القضاء لمحاكمة مبارك بأقصى عقوبة ممكنة، إضافة إلى تمرير قوانين إبّان سيطرتهم على برلمان 2011 لمعاقبته وملاحقته داخلياً وخارجياً.
استند مبارك في شهادته إلى نجليه علاء وجمال، وليس متهماً معهما كما اعتاد في هذه القاعة عبر سنوات المحاكمة التي انتهت بإدانته بقضية فساد مالي وحيدة بسجن 3 سنوات. نهايةٌ، وإن كانت الأفضل للرئيس الذي حكم مصر نحو ثلاثة عقود، فإنه لم يكن يتوقع أن يعيش لـ«ينتقم» ممن يرى أنهم ظلموه، الكلمة التي ترددت في أكثر من حديث مسرب له. فمن إنكار جميع الاتهامات في جلسة 2011 إبّان محاكمته، إلى طلب إذن من القوات المسلحة للحديث في بعض الأمور عن هذه الفترة والإجابة عن تساؤلات القاضي، هكذا تحوّل المتهم الرئيسي في قتل مئات المصريين إبان الثورة إلى شاهد في قضية أحداث اقتحام السجون التي وقعت في 28 كانون الثاني/ يناير من العام نفسه.
أما محمد مرسي، الذي كان فرحاً بحكم سجن مبارك 25 عاماً في أول درجة تقاضٍ، فلم ينطق في الجلسة كلها سوى بـعبارة «أيوة موجود» عندما نادى رئيس المحكمة عليه، بينما جلس مبارك متحدثاً بعدما راعى القاضي ظروفه الصحية وطلب مقعداً له ليجلس عليه ويدلي بشهادته. رفض الرئيس السابق الإجابة عن سؤال المحكمة عن معلوماته بوجود أنفاق على الحدود الشرقية للبلاد من ناحية رفح على الحدود مع قطاع غزة، مؤكداً أنه بحاجة إلى إذن رئاسة الجمهورية والقوات المسلحة للإدلاء بشهادته عن هذه الوقائع.
وقال: «هقول معلومات حساسة عن الأنفاق تخص أحداث 25 يناير وما قبلها بصفتي رئيساً سابقاً ورئيساً أعلى للقوات المسلحة، لذا لا بد أن أحصل على إذن... حتى لا أقع في مخالفة قانونية»، وهو ما دفع رئيس المحكمة إلى الرد: «المعلومات المطلوبة في صلب القضية ولا تمس الأمن القومي حتى تمتنع عن الإدلاء بها»، فعقّب: «الأنفاق كانت سرية لا تعلم الدولة عنها شيئاً، لكنها موجودة قبل 25 يناير لعبور الأكل والمؤن إلى القطاع، لكن حتى أجاوب على الأسئلة هضطر أقول حاجات حساسة لم تُذكر من قبل لا في محكمة ولا أي جهة رقابية».
وانتهى ذلك إلى تأكيد مبارك أن محاميه، فريد الديب، أرسل خطاباً إلى ديوان الرئاسة ليحيطه علماً بالأمر، فيما اتفق مع رئيس المحكمة على الإجابة عن أسئلة يمكن الإجابة عنها، فسأله الأخير عن دور «الإخوان» في اقتحام الحدود وأحداث الثورة، وهنا أعاد مبارك فكرة الإذن نفسه، لكنه قال: «دور الإخوان في أحداث يناير معروف، ولكن صعب إني أرد، لأن في تداعيات أخرى تستلزم الحصول على إذن، هاتلي إذن أحكيلك على كل حاجة».

بقي مرسي صامتاً ولم يقل سوى «أيوة موجود» في بداية الجلسة


على رغم هذا، انطلق في الحديث عن تدمير آلاف الأنفاق في الشريط الحدودي مع قطاع غزة، وأنه سبق أن طلب من وزارة الدفاع، أثناء توليه الحكم، إيجاد حل جذري لمشكلة الأنفاق، لكنهم عندما بدأوا بتنفيذه تعرضوا لإطلاق نار من غزة. وقال أيضاً إن اللواء الراحل عمر سليمان أخبره بتسلل في الحدود الشرقية يوم 29 يناير من قوات بلغ عددها 800 شخص لم يعرف جنسياتهم، مضيفاً: «هو مقليش هما جايين منين، لكن أنا عارف إنهم من غزة، من حركة حماس... إسرائيل ضبطت مركباً تركياً كان على متنه معونات لأهل غزة قبل يناير 2011، وكان على المركب عناصر من بينهم القيادي الإخواني محمد البلتاجي»، مشيراً إلى اتصاله برئيس الوزراء الإسرائيلي عقب علمه بالواقعة للإفراج الفوري عن أي مصريين لديه، وبذلك أُعيد البلتاجي.
طبعاً، لم يفوّت مبارك الفرصة لتخلية ساحته من تبعات الثورة، مدعياً أنه عندما شعر بمخطط لإسقاط مصر في 2011 سلم السلطة للمجلس العسكري وتنحى عن الحكم حتى لا يستنزف مثيرو الفوضى الجيش الذي كان الملاذ الأخير للبلاد مثلما حدث مع الشرطة يوم 28 يناير!