لم يخرج العدوان الإسرائيلي على سوريا ليل أوّل من أمس، عن سياق قواعد الاشتباك التي أُرسيت بين محور المقاومة والعدوّ الإسرائيلي في الأعوام الماضية فوق الأرض السورية، على الأقل منذ ما قبل إسقاط الطائرة الروسية فوق اللاذقية في أيلول الماضي. سوريا وحلفاؤها، لا سيّما المقاومة اللبنانية، مستمرّون بتعزيز قدراتهم العسكرية وتطويرها سعياً إلى ردع العدو، أو تكبيده خسائر لا تُنسى في حال قرر جرّ المنطقة إلى حرب. وإسرائيل من جهتها تسعى لضمان عدم تزايد القدرات الكاسرة للتوازن كمّاً ونوعاً حيث تستطيع، عبر القيام بضربات محدودة، مع الحرص على أن تبقى موضعية، خشية انزلاق المواجهة إلى حرب مفتوحة.

ولا شكّ في أن حصول الجيش السوري على منظومة «أس 300» للدفاع الجوي والتوتر الإسرائيلي - الروسي، دفعا بالعدوّ إلى استطلاع قدرات المنظومة الجديدة وخطورتها عليه، وإلى استخدام صواريخ أرض - أرض كما في تشرين الثاني الماضي لقصف أهداف في العمق السوري، أو إلى اعتماد المجال الجوي اللبناني لإطلاق الصواريخ من فوق لبنان كما حصل ليل الثلاثاء.
وفيما يبقى الهدف الإسرائيلي الأوّل من أي ضربة هو منع تعاظم قدرات محور المقاومة العسكرية بشقيّه: نقل القدرات الاستراتيجية إلى لبنان وتراكمها في سوريا، يأتي العدوان في توقيت سياسي وميداني دقيق، تُرسم فيه مسارات مهمة من عمر الأزمة السورية.

تفاصيل الهجوم
قبيل الساعة العاشرة من مساء الثلاثاء، كانت منظومات الدفاع الجوي قد تلقّت إنذاراً بإقلاع طائرات قاذفة ومقاتلة معادية من مطارات عسكرية في شمال فلسطين المحتلة، سبقها بوقت قصير رصد حركة طائرتين معاديتين (مسيّرة وأخرى إنذار مبكر وحرب إلكترونية من طراز gulf stream b 550 «نحشون»). وبدا واضحاً أن مجال حركة الطائرات المعادية، كان غرب الجنوب اللبناني وصولاً إلى جبل لبنان حيث عمدت خمس طائرات من طراز «أف 16» وعلى أربع دفعات في مجال زمني من 30 دقيقة، إلى إطلاق 16 صاروخاً باتجاه مستودعات للذخيرة في اللواء 38 في منطقة الصبورة قرب طريق دمشق - بيروت. وبحسب بيان وزارة الدفاع الروسية، تمكّنت وسائط الدفاع الجوي السورية من إسقاط 14 صاروخاً من أصل 16، وتمكّن اثنان منها من الوصول إلى أهدافهما. وعلى ما تقول مصادر عسكرية روسية لـ«الأخبار»، فإن «الدفاعات الجويّة قامت بأداء ممتاز من دون استخدام منظومات أس 300، إلّا أن وجود طائرات مدنية في الأجواء اللبنانية والسورية دفع الجيش السوري إلى تقليص حجم الردّ على الأهداف والطائرات المغيرة من الأجواء اللبنانية». وبحسب المعلومات، فإن الدفاعات الجوية أطلقت نحو الأهداف المغيرة «نحو 25 صاروخاً من أربعة أنظمة مختلفة على 16 هدفاً أطلقت من طائرات معادية من فوق منطقة صيدا - جزين غرب لبنان». وقالت مصادر معنيّة إن «الطائرات المعادية كانت ترتفع إلى نحو 10 كلم في سماء لبنان وتطلق صواريخها مما يضعها في مجال الطائرات المدنية، من ثمّ تنخفض إلى أقل من 5 كلم في وقت قصير جداً».
بعيداً من الأهداف العسكرية المباشرة، يأتي العدوان في ظلّ فشل إسرائيل في إعادة علاقتها بروسيا إلى مرحلة ما قبل إسقاط الطائرة الروسية. إذ إن أجواء زيارة الوفد العسكري الإسرائيلي إلى موسكو بداية الشهر الجاري، تشير إلى تعثّر استعادة زخم العلاقات بين الطرفين، على الأقل إلى ما كانت الحال عليه في مرحلة التفاهم الذي حصل في الجنوب السوري في الربيع الماضي. وبحسب مصدر ديبلوماسي روسي، فإن «الاستباحة الإسرائيلية الأخيرة للسيادة السورية هي محاولة لرسم قواعد اشتباك جديدة مع روسيا في سوريا. إذ إن روسيا وفت بوعودها لناحية إقناع إيران بالانسحاب من الجنوب السوري إلى مسافة كبيرة، إلّا أن إسرائيل تستمر في محاولتها تخريب الساحة السورية وضرب التفاهمات التي حصلت والاستقرار الذي يسود». وبحسب المعلومات، فإن رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، وبعد فشل رهاناته على الدور الروسي في إخراج إيران من سوريا، حاول خلال زيارته إلى العاصمة العمانية مسقط، الطلب من القيادة العمانية البحث مع إيران في ضمانات أمنية على الساحة السورية.
وفي سياق القلق الإسرائيلي من الإعلان عن الانسحاب الأميركي من سوريا، يشير مصدر سوري إلى أن «الصورة ما بعد الانسحاب الأميركي لم تتضح لإسرائيل بعد، وبالتالي فإن القلق يسود أوساط العدو من انعكاسات إيجابية تصب في مصلحة الدولة السورية واستعادة وحدتها». ويقول المصدر إن «العدو كان يراهن كثيراً على الحالة الانفصالية الكردية التي تفقد عوامل استمرارها الآن مع الانسحاب الأميركي المجدول».

حاول نتنياهو توجيه رسائل لإيران عبر عُمان للبحث عن ضمانات أمنية في سوريا


وفيما تشير المعلومات إلى تبدّل إيجابي كبير في العلاقة بين الدولة السورية والهياكل الكردية المتعددة في الشرق السوري، لا سيّما في ظلّ اللقاءات المستمرة في دمشق منذ أيام، بين مسؤولين سوريين وأكراد، تقول مصادر متابعة إن إسرائيل تحاول خلط الأوراق ومحاولة إعاقة الانسحاب الأميركي عبر التصعيد. وبحسب المعلومات، فإن المفاوضات المستمرة بين دمشق والمجموعات الكردية، لم تخرج بعد بتفاهم واضح، إلّا أنه تمّ إرساء نقاط تفاهم مشتركة. إذ تطرح الحكومة السورية استعادة كاملة للسيطرة على الأراضي التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) ذات الغالبية الكردية، بما يعني عودة مؤسسات الدولة كاملة وانضواء القوات الكردية المتنوعة في عديد وزارة الدفاع السورية قبل البحث في أي صيغة للإدارة المحلية، فيما يطرح الطرف الكردي دخول القوات السورية والسيطرة على الشريط الحدودي مع تركيا، ومن ثمّ البحث في إدارة المناطق الخاضعة الآن لسيطرة «قسد»، وهو ما ترفضه الحكومة السورية.
ويمكن القول إن حالة مدينة منبج (شمال شرقي حلب، يسيطر عليها الأكراد بمعاونة قوات الاحتلال الأميركي) قد تكون تجربة أولية للعمل، إذ إن الجيش السوري يخوض سباقاً مع قوات الاحتلال التركي والفصائل المدعومة منها لاستعادة المدينة، بعد وصول القوات السورية والروسية إلى منطقة العريمة بين مدينتي الباب (تحتلها تركيا) ومنبج، بعد معلومات عن تشكيل بعض النقاط المشتركة للجيش السوري وقوات «قسد».
من جهتها، تشير مصادر ديبلوماسية غربية لـ«الأخبار» إلى أن «أي تغيير في الواقع الحالي في الشرق السوري تعتبره إسرائيل تحوّلاً غير مريح، سواء لجهة استعادة الدولة السورية سيطرتها، أو لجهة سيطرة تركيا على مناطق محددة في الشرق، لما يمكن أن يظهر تفاهماً تركياً - إيرانياً بما يعني دعم تركيا لاستمرار الوجود الإيراني في سوريا».