قبل يوم واحد على زيارة وفد تركي ديبلوماسي ــــ سياسي رفيع المستوى إلى موسكو، لبحث مصير مناطق سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية» عقب الانسحاب الأميركي المرتقب، دخلت أمس وحدات من الجيش السوري إلى محيط مدينة منبج الغربي، وتمركزت قبالة حشود عسكرية كبيرة لفصائل «الجيش الوطني» المعارض الذي تُديره أنقرة. وأُتبع الحراكُ الميداني بإعلان لافت من وزارة الدفاع السورية عن دخول تلك الوحدات ورفع العلم السوري في منطقة منبج، وذلك بعد وقت قصير على صدور بيان عن «وحدات حماية الشعب» الكردية، يطالب دمشق بتنفيذ تلك الخطوة لحماية المنطقة من التهديدات التركية. الإخراجُ المتفق عليه من الطرفين لهذا التحرك، استُكمل ببياني دعم وترحيب من روسيا وإيران، أدخله تحت عباءة دولية من بلدين شريكين لتركيا، التي تهدد بدخول منبج أيضاً.

وأثار إعلان وزارة الدفاع السورية بداية، جدلاً واسعاً بين نفي وتأكيد لدخول القوات الحكومية مدينة منبج، لا سيما في شأن مصير قوات «التحالف الدولي» العاملة شمال المدينة وداخلها، قبل أن يتبيّن أن الوحدات التي دخلت تمركزت في محيط بلدة العريمة كمرحلة أولى. وأكدت مصادر ميدانية سورية في حديث إلى «الأخبار» أن «الجيش يستعد (وفق اتفاق) للانتشار على خطوط التماس المشتركة مع فصائل درع الفرات في ريفي منبج والباب»، على أن يتم ذلك تباعاً حتى يشمل «بداية، قرى بوزكيج وعرب حسن جنوبي والجات والذيابات وكامل خط الساجور لاحقاً، وصولاً إلى بلدة عون الدادات في الريف الشمالي لمنبج». ولفتت إلى أن «استمرار النشاط الأميركي في منبج هو محاولة لعرقلة تطبيق هذا الاتفاق». وكان الجيش الأميركي قد أعلن أمس أن القوات الحكومية لم تنتشر ضمن منبج، فيما أكدت أوساط محلية أن دوريات «التحالف الدولي» لا تزال موجودة في داخل المدينة وفي ريفها الشمالي المتاخم لمناطق سيطرة فصائل «درع الفرات»؛ كما شهد أمس تحليقاً لطائرات مروحية تتبع «التحالف» في سماء منبج وريفها. وأوضح «الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديموقراطية» رياض درار، أن «ما يجري في منبج يهدف لحمايتها»، مضيفاً في الوقت نفسه أن «التحالف سوف يستمر في مهمته داخل المدينة، والجيش (السوري) سينتشر على حدودها... ولا نعتقد أنه سيكون هناك اصطدام بينهما». ولفت إلى أنه «سيتم الانتظار حتى إتمام قوات التحالف لمهمتها» في موازاة «استمرار التواصل مع الجانب الروسي لإنجاز اتفاق ذي طابع إداري وسياسي لشرق الفرات، يحميه من الأطماع التركية».

رياض درار: العمل مستمر لإنجاز اتفاق ذي طابع إداري وسياسي لمناطق شرق الفرات


خطوة الجيش وما رافقتها من تصريحات ومواقف، تأتي ضمن مسار تفاوض ترعاه روسيا، وتتناسب سرعة التقدم عبره مع التطورات المستجدة في ملفي منبج وشرق الفرات. وهي أكدت استعداد دمشق للتدخل وحماية مناطق سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية» في إطار اتفاق مكتمل الأركان، يراعي عودة سيادة الدولة ومؤسساتها. وعلى رغم أن الانتشار في محيط منبج ما زال في مرحلته الأولى، ويشابه في شكله دخول قوات إلى عفرين قبل احتلالها من تركيا، غير أن طبيعة القوات وجاهزيتها تشي بغير ذلك. فعلى عكس الحال في عفرين حينما أرسلت قوات رديفة للجيش بتجهيزات عسكرية خفيفة، تتبع الوحدات التي انتشرت في ريف منبج الغربي إلى «الحرس الجمهوري» و«الفرقة الأولى». وتؤكد مصادر أن تلك القوات تلقت أوامر بالرد على أي تحرك عدواني من قبل القوات التركية أو الفصائل التابعة لها. وبينما تتواصل تعزيزات الجيش إلى بلدة العريمة، دفعت أنقرة بأرتال من فصائل «الجيش الوطني» إلى ريفي الباب ومحيط ريف منبج الغربي. وسُجّل دخول «حركة أحرار الشام» و«فيلق الشام» و«جيش الإسلام» ضمن قائمة الفصائل المشاركة في التحشيدات التركية التي تهدد باجتياح المدينة.
وعلى رغم أهمية الوجود الميداني القريب من منبج لقوات الجيش إلا أن مصير المدينة ما زال رهن توافقات دولية في سياق يشمل مناطق شرق الفرات أيضاً. وينتظر أن يكون اجتماع موسكو اليوم، بين وفد من كبار المسؤولين الأتراك، ونظرائهم الديبلوماسيين والعسكريين الروس، محطة هامة في هذا السياق. فمن دون توافق مع الجانب التركي على دخول القوات الحكومية سيكون وجود «التحالف» عاملاً مساعداً لأنقرة ومثبّطاً لأي جهد حكومي سوري، خصوصاً أن الأميركيين تعهدوا لتركيا بانسحاب «منسّق وبطيء». وسيعتبر أي تحرك لقوات الجيش السوري نحو منبج حينها، وإن جاء برضى «الوحدات» الكردية و«مجلس منبج العسكري»، عملاً «عدوانياً» ضد قوات «التحالف»، من شأنه تعقيد المشهد أكثر. وكان لافتاً أن الموقف التركي من خطوة دمشق أمس، لم يحمل رسائل حادة اللهجة؛ إذ اعتبر الرئيس رجب طيب أردوغان، أن التحرك يدخل ضمن نطاق «الحرب النفسية»، مشيراً إلى أن «هذه المناطق (شرق الفرات ومنبج) تنتمي لسوريا وفور أن تغادرها المنظمات الإرهابية لن يبقى لدينا ما نفعله هناك». كذلك، حاولت موسكو تخفيف حدة مجريات أمس، فرحّبت بخطوة الجيش السوري من جهة، وأكد وزير خارجيتها سيرغي لافروف، أن بلاده «ترى خطط أنقرة لمكافحة الجماعات الإرهابية في شرق الفرات من منظور تخليص الأرض السورية من الإرهاب، واستعادة وحدة سوريا واستقلالها» من جهة أخرى.