القاهرة | تسير الحكومة بخطوات متسارعة في كل الاتجاهات لخفض عجز الموازنة العام، وهذه المرة قررت استهداف ميزانية التعليم العالي والبحث العلمي، بخلاف المنصوص عليه دستورياً، وهو أن يكون نصيبهما من الميزانية ما يعادل 2% من الناتج المحلي، وهي النسبة التي لم تحقق حتى الآن، رغم الزيادة الشكلية في الميزانية، بل مع توجيه الجامعات إلى زيادة مواردها الذاتية عبر رفع الرسوم، خاصة الدراسات العليا التي تضاعفت لمرات خلال السنوات الثلاث الأخيرة. فبعدما كانت رسوم جميع الدراسات العليا لا تتجاوز ألف جنيه، وصلت في بعض الكليات إلى 10 آلاف (100 دولار = 1792 جنيهاً). جراء ذلك، زادت الجامعات الرسوم وأسعار الإقامة في المدن الجامعية، وقلّصت الأنشطة الطلابية بجانب رفع أسعار الطوابع ورسوم الخدمات المتنوعة. في الوقت نفسه، تفاوتت نسبة خفض الدعم الحكومي من جامعة إلى أخرى بحسب ميزانيتها. فمثلاً، تقلصت ميزانية «جامعة القاهرة» إلى مليار جنيه في العام المالي الجاري، على أن تتقلص مجدداً في الموازنة المقبلة التي تجري مناقشات بشأنها الآن. ومن جهة أخرى، زادت الرسوم على الطلاب الأجانب في عدد من الجامعات بصورة كبيرة، خاصة أنه يشترط عليهم في أحيان كثيرة الدفع بالعملة الصعبة، علماً أن دراسة الطلاب العرب تحديداً، داخل الجامعات المصرية، كانت في السابق برسوم رمزية، فضلاً عن أن الزيادة الكبيرة للطلاب الوافدين هي من الخليج.

ويرى معنيون في أوساط التعليم، أن تبريرات الحكومة في زيادة تكلفة التعليم العالي لم تكن منطقية، وخاصة مع تزايد معدلات التضخم وزيادات الرواتب التي أدت إلى الانخفاض الفعلي في نسبة الإنفاق لتسجل نحو 0.7% من الناتج القومي، وهي النسبة الأدنى منذ خمس سنوات، بل فيها مخالفة دستورية واضحة، خاصة أن غالبية الميزانية الرسمية تستنزفها الأجور والمكافآت التي يتقاضاها العاملون في الجامعات، بالإضافة إلى بدل السفر والانتقالات المنصوص عليها في اللوائح، وهي تختلف وفق جهة السفر وطبيعة المنصب.

تريد الدولة أن تصل الجامعات إلى الاعتماد على نفسها كلياً


وتضم هذه الميزانية الأموال المخصصة للمستشفيات الجامعية التي تستنزف بدورها أكثر من 30% من الإجمالي، إذ راهنت الحكومة على موارد هذه المستشفيات من الأجنحة الخاصة والمميزة والقطاعات الاستثمارية فيها لتتمكن من تغطية نفاقتها، لكن أسعارها ـــ رغم رفعها خلال المدة الماضية ــــ لم تغطِّ الكلفة الفعلية لاحتياجات هذه المستشفيات.
وعلمت «الأخبار» أن الخطة الحكومية لقطاعي التعليم العالي والبحث العلمي تتضمن التوسع في تحميل الجامعات ميزانيتها تدريجاً، بالتزامن مع إجراءات التقشف ووقف التعيينات الجديدة واللجوء إلى «مكننة» جميع الخدمات، في خطوة هدفها تقليل العاملين تدريجاً بالتوازي مع التوسع في العمالة المؤقتة بعقود سنوية من دون أي التزامات على الحكومة.
ويدرس وزير التعليم العالي، خالد عبد الغفار، حالياً المبالغ التي ستُستقطَع من كل جامعة خاصة، مع وجود جامعات لم تستطع تعويض العجز المالي من مواردها الذاتية، بل إن بعضها تعاني موازنته من عجز سيُسدَّد من موازنة العام المقبل، إضافة إلى توقف بعض الأعمال الإنشائية المرتبطة بالجامعات. كذلك، يسعى عبد الغفار إلى استصدار قرار بشأن الطلبة الراسبين في الجامعات لتجريَ محاسبتهم مالياً بطريقة مختلفة، على أن تحدد الآليات المتبعة في كل كلية وفق اعتبارات تضمن ألا يحدث غضب طلابيّ تجاه القرار، خاصة مع وجود آلاف الراسبين سنوياً. ولجأ بعض الطلاب إلى تكرار الرسوب حتى يتمكنوا من تأخير سنّ إنهاء التعليم الجامعي تجنباً للالتحاق بالقوات المسلحة لأداء التجنيد الاجباري. لكن سيتضمن التوجه الجديد تحميل الطالب الراسب تكلفة استمرار دراسته الجامعية كلياً، لتصل المصاريف في العام الواحد إلى أكثر من عشرة أضعاف السعر الحالي، إضافة إلى إلغاء الدعم عنه في السنوات التالية لرسوبه، وهي نقطة قيد المراجعة حالياً داخل لجان الوزارة المختلفة.