الخرطوم | أخذ الحراك الشعبي في السودان، المستمر منذ منتصف الشهر الماضي، نتيجة تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية، منحىً سياسياً أكثر، مع إعلان 22 من الأحزاب السياسية الموالية لنظام الرئيس عمر البشير، رغبتها في تنحيه، والاحتكام إلى حكومة انتقالية، يتوافق عليها الجميع، وهو ما اعتبره الحزب الحاكم، دعوة للقوات المسلحة إلى «انقلاب عسكري»، كما عبّر رئيس القطاع السياسي، عبد الرحمن الخضر، أمس.

الأحزاب السياسية أعلنت في مذكرة، أول من أمس، صراحةً، أن «النظام بتركيبته الحالية، وعزلته السياسية والاقتصادية والإقليمية والدولية، ليس في مقدوره تجاوز الأزمة». ورغم توجيه البشير بتكوين لجنة «للتحقيق في العنف» الذي صاحب الاحتجاجات، برئاسة وزير العدل، محمد أحمد سالم، إلا أنهم ناشدوا القوات النظامية حماية المتظاهرين، والنأي عن الاستقطاب السياسي، لضمان حيادتها، ولقيامها بمهماتها الدستورية.
كرة الثلج الآخذة في التدحرج، بدأت بعد مع إعلان حركة «الإصلاح الآن»، برئاسة غازي صلاح الدين، الذي انسلخ من حزب «المؤتمر الوطني»، بعد اندلاع احتجاجات أيلول/ سبتمبر عام 2013، انسحابها من الحكومة، ودعوتها الجيش إلى حماية المتظاهرين. وبدا ذلك أيضاً في انضمام كتلة «نداء السودان»، التي تضمّ حزب «الأمة» القومي، الذي يتزعمه الصادق المهدي، إلى ركب المطالبين بتنحي البشير، إلى جانب حركتي «تحرير السودان» و«العدل والمساواة»، التي أكد رئيسها جبريل إبراهيم، في حديث إلى «الأخبار»، وقوف الحركة «بشدة إلى جانب الحراك الشعبي»، موضحاً أنهم «أصدروا بيانات عدة باسم الجبهة الثورية نداء السودان، باعتبارها المكون الأساسي لتلك الأجسام، جميعها تصبّ في اتجاه تأييد الحراك الشعبي». غير أن ثمة وجهة نظر أخرى، يتبناها المحلل السياسي، حاج حمد، الذي لا يستبعد وجود «صفقة أميركية تتبناها أحزاب المعارضة، سواء كانت في السلطة أو خارجها، تتخذ من الحراك في الشارع، قاعدة وأرضية»، معتبراً أن «الأحزاب السياسية المعارضة تحاول اللحاق بالشارع». يوضح حمد لـ«الأخبار» أن «أبرز ملامح الصفقة الأميركية، التغيير الجزئي في الحكومة، مع تبني خط الحوار السياسي الجامع، وتحميل الرئيس البشير المسؤولية، والتضحية به، وهو تنازل يمكن أن يُرضي الشارع». وفق حاج حمد، «مضي الصفقة الأميركية إلى غاياتها، رهنٌ باستمرار الاحتجاجات في الشارع»، لكنه يرى أن «سقف المطالب الأميركية سيتجاوز إزاحة البشير، إلى مطالب أكبر، وفرض هيمنة أكبر». أما في حال توقُّف الاحتجاجات، فإن ذلك يعني، وفق حمد «ولادة الإنقاذ 2، التي ستكون نسخة أكثر فساداً وعنفاً من الإنقاذ الأولى».

رئيس «العدل والمساواة» لـ«الأخبار»: نقف بشدة إلى جانب الحراك الشعبي


في سياق ذلك، يشير مراقبون إلى أن الرئيس، الذي أقرّ في خطاب الاستقلال، بوجود أزمة اقتصادية ضاغطة لأسباب خارجية وداخلية، من دون أن يأتي على ذكرها، «يراهن على قدرته على تجاوز هذه الأزمة، بالارتكاز على خبرته التي اكتسبها في تعامله مع الأزمات الاقتصادية والسياسية»، التي كانت سمة بارزة طوال فترة حكمه الممتد على ثلاثة عقود، لكنهم يرون أن «رهانه خاسر، لأن ما يحدث الآن إرادة عامة لدى الشارع، ورغبة أكيدة في التغيير. وهو ما دفع تجمع المهنيين (الجسم الذي تبنى دعوات النزول إلى الشارع)، إلى إصدار إعلان الحرية والتغيير، الذي وقعت عليه حتى الآن، أربعة كيانات، هي بالإضافة إليه، قوى الإجماع الوطني، وقوى نداء السودان، والتجمع الاتحادي المعارض»، إذ إن الإعلان، الذي أكد في مستهله عدم التوقف عن استخدام كافة أساليب النضال السلمي، حتى يجري الخلاص من نظام الإنقاذ، دعا إلى تنحّي البشير، من دون قيد أو شرط، وتشكيل حكومة انتقالية قومية، بتوافق جميع أبناء الشعب السوداني، على أن تكون مُدتها أربع سنوات، تضطلع خلالها بمهمات وقف الحرب، ووقف التدهور الاقتصادي، والحفاظ على تدابير المرحلة الانتقالية، مع تأكيد بقائهم في الشارع، وتمسكهم بكافة أشكال النضال السلمي، إلى أن تتحقق تلك المطالب.
مجموعة أحزاب الحوار الوطني، الموالية للحكومة، أصدرت في المقابل، أمس، بياناً أكدت فيه التمسك بوحدة البلاد، وبمخرجات الحوار الوطني، وبوثيقة الحوار الوطني، واستنكر قادة الأحزاب انسحاب ثمانية أحزاب من الحوار الوطني والوثيقة الوطنية، قائلين: «لن نسمح بتفكيك البلاد»، فيما حذر الأمين السياسي لحزب «المؤتمر الوطني»، عبد الرحمن الخضر، من «استغلال التظاهرات لأغراض سياسية»، واصفاً خروج الأحزاب الموقعة على ميثاق الحوار الوطني، بأنه «نسف لمخرجات الحوار الوطني»، مهدداً بأن «هناك إجراءات ستتخذ في حق قادة الأحزاب المنسحبة... لأنهم لا يمثلون إلا أنفسهم.