تونس | على غرار الأعوام السبعة الماضية، لا يختلف شتاء تونس هذا العام عن سابقيه، باشتداد الاحتجاجات وتوسعها بشرياً وجغرافياً، إذ لا يخلو قطاعٌ مهنيٌّ أو منطقة تقريباً من التظاهر، لقضايا مختلفة، يبقى القاسم المشترك بينها، السخط على الحكومة وسياساتها، فيما من المنتظر أن تتعاظم كرة الثلج، وصولاً إلى إضراب عام دعا إليه «الاتحاد العام للشغل» بعد أسبوعين.

منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي، تسير الاحتجاجات في تونس على امتداد العام، لكنها تتكثف على نحو ملحوظ في أشهر الشتاء. حاول كثيرون تفسير الأمر، بالحديث عن ما تخلفه الأمطار عادة من أضرار في البنى التحتية، أو انتهاء الأنشطة الجانبية التي تشغل الناس في بقية المواسم، وإقرار موازنة العام الجديد، أو حتى باستعادة الأجواء التي قامت خلالها الثورة في الـ17 من كانون الأول/ ديسمبر عام 2010. لكن هذا العام، يبدو الوضع أكثر سوءاً مما مضى. نهاية الشهر الماضي، أضرم المصور الصحافي، عبد الرزاق الزرقي، النار في جسده في ساحة الشهداء، في مدينة القصرين، احتجاجاً على ظروفه الاجتماعية ووضعيته المهنية الهشة، وذلك بعد أن صور شريطاً دعا فيه أهالي المدينة إلى الاحتجاج على الوضع المتدهور، الذي تفاقم مع تمركز مجموعات إرهابية في الجبال المتاخمة. تحرّك الناس إثر ذلك، في مناطق متوزعة على امتداد البلاد، ونظموا تظاهرات حاول خلالها بعض الناس الانتحار حرقاً، تأثراً بفعلة الزرقي، الذي اتبع هو نفسه محمد البوعزيزي. مطالب الناس واضحة، وهي نفسها لم تتغير خلال سبعة أعوام، أهمها توفير وظائف وبنى تحتية. تنوعت أشكال التظاهر، من المسيرات والاعتصامات، وصولاً إلى غلق الطرقات، وإيقاف نشاط بعض الشركات، أو احتلال مساكن اجتماعية، قبل توزيعها ورفض مغادرتها، على غرار ما حدث قبل أيام. وكما جرت العادة أيضاً، خرج شبان في احتجاجات ليلية، تحولت إلى مواجهات مع الأمن، أُوقف على إثرها عدد منهم بتهم التخريب ونشر الفوضى أو حتى محاولات خلع وسرقة بعض المصارف.
خلفيات المحتجين الاجتماعية متنوعة، لكنها تدور في فلك الشرائح الدنيا والوسطى: عاطلون من العمل، أرامل، أصحاب إعاقات، عمال مؤقتون، أو أصحاب عمل هش، ومحرومون من مياه الشرب، ومهنيون غاضبون، يتمتعون بميزة عن سابقيهم، إذ تنظم النقابات احتجاجاتهم وتتبناها لتصعيد الضغط على الحكومة، ويوجد على رأس هؤلاء، الجامعة العامة للتعليم الثانوي، التابعة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل»، ونقابة «إجابة» المستقلة، التي تجمع عدداً كبيراً من أساتذة التعليم العالي.
يمتد صراع نقابة التعليم الثانوي ووزارة التربية منذ بداية العام، ويدور حول مضاعفة بعض المنح وتخفيض سن التقاعد، وقد قاطع أغلب الأساتذة امتحانات الثلاثي الأول، وقد أقرت النقابة، قبل أيام، مقاطعة امتحانات الثلاثي الثاني أيضاً في حال تعذر إيجاد حل يرضيها. لا تختلف مطالب أساتذة التعليم العالي كثيراً، باستثناء سن التقاعد، ويباشر أتباع نقابة «إجابة» في الأيام المقبلة، مقاطعة إجراء الامتحانات في تكرار لتصعيد مارسوه العام الماضي، أيضاً عطل آلاف الطلاب عن مناقشة رسائل ختم الدروس الخاصة بهم حتى مطلع هذا العام.
بموازاة المطالب الخصوصية، أقر «الاتحاد العام التونسي للشغل» تنفيذ إضراب عام في الوظيفة العمومية يوم الـ 17 من كانون الثاني/ يناير، احتجاجاً على عدم رفع المعاشات بالقدر الذي يريده. وقد قال الأمين العام للمنظمة، نور الدين الطبوبي، في الأيام الماضية، إن الإضراب لن يكون نهاية التصعيد، حيث توجد خطوات أخرى سيعلن عنها في وقتها.
إلى جانب كل ذلك، تشهد الأسواق التونسية ندرة في بعض المواد الغذائية الأساسية، مثلت موضوع سجال بين «اتحاد الفلاحين» والحكومة. يمس الأمر بعض الخضر، واللحوم، والحليب والبيض. وترمي الحكومة المسؤولية على الاحتكار وتهريب الأبقار نحو الجزائر، وقد أطلقت حملة للتحكم في الأسعار، ومحاربة المحتكرين، ويرى «اتحاد الفلاحين» أن الأزمة هيكلية وترتبط بارتفاع أسعار العلف وكلفة الإنتاج ومديونية القطاع.
ترى الاتحادات المهنية، أن معركتها مع حكومة يوسف الشاهد، ترتبط أساساً بالسيادة التي صارت مكبلة بشروط صندوق النقد الدولي وبقية المقرضين، لخفض مصاريف الدولة، وتحذر من التسرع في توقيع «اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق – الأليكا» مع الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل موضوع مفاوضات جارية منذ أعوام، خشية الإضرار بقطاعي الخدمات والفلاحة (الاتفاق القائم حالياً يشمل الصناعة). من جانبها، تدافع الحكومة عن نفسها باستعراض أرقام تشير إلى انخفاض عجز الموازنة (على رغم أن ذلك يعود بشكل كبير إلى تراجع أسعار النفط)، وعدم سن ضرائب جديدة، وبخلق ما تسميه «برنامج الأمان الاجتماعي»، الذي شمل منظومتي علاج، إحداها مجاني، وأخرى بتكلفة منخفضة، لصالح حوار 750 ألف شخص، والترفيع في المنح الاجتماعية للعائلات المعوزة، وإطلاق مشاريع سكن اجتماعي.