تبدو السعودية في هذه الأيام كأنها تنفّذ أجندة متكاملة لتخليص نفسها من المأزق الذي وضعها فيها اغتيال الصحافي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في اسطنبول. من التوجيه بإعادة هيكلة جهاز الاستخبارات، إلى تبديل بعض وجوه الطقمين السياسي والأمني، وصولاً إلى البدء بمحاكمة المتهمين بقتل خاشقجي، وإصدار توصيات بشأن ما يسمّى «إصلاحات» في النظام القضائي... كلها إجراءات تشي بأن لدى المملكة جدول أعمال مُزكَّىً غربياً، وتحديداً أميركياً، من أجل إخماد الغضب الذي فجّرته حادثة القنصلية، وإعادة تلميع صورة ولي العهد محمد بن سلمان، واستعادة توازن بيت الحكم، بما يحفظ مستقبل ابن سلمان، الطامح إلى وراثة كرسيّ العرش من أبيه.

يوم أمس، تجلّت آخر فصول برنامج الإجراءات هذا، بانعقاد أولى جلسات المتورطين في مقتل خاشقجي، والذين تقول السعودية إن عددهم 11، فيما تتحدث تركيا عن 18 شخصاً هم تعداد فريق الاغتيال فقط، من دون الحديث عن الآمرين والمُخطِّطين. بعيداً عن عدسات وسائل الإعلام التي مُنعت حتى من تسجيل لقطات انعقاد الجلسة في المحكمة الجزائية في الرياض، طلبت النيابة العامة السعودية إنزال حكم الإعدام بحق 5 موقوفين لم يتمّ الإفصاح عن أسمائهم، تماماً كما لم يتمّ كشف هوية بقية زملائهم. ملابسات ترسم الكثير من علامات الشكّ حول شفافية هذه المحاكمة، التي لن تشمل على ما يبدو مسؤولين كانت تمّت إقالتهم من مناصبهم على خلفية القضية، مِن مِثل المستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني، ونائب رئيس الاستخبارات العامة أحمد عسيري. في ذلك الإطار، أكدت مديرة منظمة العفو الدولية في الشرق الأوسط، سماح حديد، أنه «بالنظر إلى نقص الاستقلالية في القضاء الجنائي في السعودية، فإن هناك تشكيكاً في استقلالية أي تحقيق أو أي محاكمة».
لكن المملكة لا ترضى لنفسها أن تُثار حول نظامها القضائي تلك الشكوك، ولذا فهي أعلنت أن محامي الموقوفين حضروا الجلسة الأولى، و«تمّ تمكينهم من مهلة طلبوها للإجابة على ما ورد في لائحة الدعوى»، وفق ما ورد في بيان النيابة العامة. كما أن «هيئة حقوق الإنسان» التي أنشأها النظام السعودي كأداة تطبيل للعدالة المفترضة في المملكة، حضرت الجلسة هي الأخرى، وكان انطباعها ـــ كما في كل مرة ـــ أن «العدالة ستأخذ مجراها، وأن كل من شارك في هذه الجريمة سينال الجزاء الرادع». انطباع لا يمكن إدراجه إلا في خانة التمويه على الحقيقة التي تحوم حول ولي العهد والمسؤولين المقرّبين منه، والذين لم تتورّع السلطات ـــ في أحدث رواياتها التي أصدرتها منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي ـــ عن تبرئتهم هم أيضاً من جريمة الاغتيال، والزعم أنهم أرادوا فقط «إعادة خاشقجي إلى بلاده»، وأن من اتخذ القرار بقتل الصحافي السعودي هو قائد فريق الاغتيال نفسه.
من هنا، يتضح الطابع الدعائي للمحاكمة التي تستهدف القول إن «شيئاً ما قد تمّ بالفعل»، بحسب ما يرى محلّلون. وهو طابع تلازمه سمتان: أولاهما سياسية تتصل بتثبيت دعوى «براءة» ولي العهد من دم خاشقجي أمام العالم، وثانيتهما عملياتية فحواها السعي للانقضاض على أي مطالبة متجددة بفتح تحقيق دولي في القضية، على رغم أن هذا المطلب لا يزال ـــ إلى الآن ـــ أقرب إلى نوع من المراوغة تمارسه أنقرة، التي يبدو لافتاً أن حميتها إزاء قضية خاشقجي تراجعت على نحو ملحوظ في الآونة الأخيرة. تراجع يثبّث صفة المناورة على السلوك التركي، الذي ما فتئت السعودية تستغلّه في اللعب على حقيقة ما جرى، مثلما تكرّر أمس في بيان النيابة العامة السعودية، حيث قالت إنه «تم إرسال مذكرتَي إنابة قضائية» إلى المسؤولين الأتراك لـ«طلب ما لديهم من الأدلة أو القرائن المتعلقة بهذه القضية»، لكن «لم ترد عليها أي إجابة حتى تاريخه».
هي إذاً خطوة سعودية جديدة على طريق طيّ صفحة خاشقجي، و«تأهيل» النظام الذي خسر الكثير من سمعته ووزنه الرمزي، في برنامج متواصل بدأ منذ الأمر الملكي بتأليف لجنة برئاسة ولي العهد لإعادة هيكلة جهاز الاستخبارات (20 تشرين الأول/ أكتوبر 2017)، ولا يبدو أنه بعيد من توجيهات الراعي الأميركي، الذي لا يزال حريصاً ـــ على رغم كل الجعجعة التي ملأت الفضاء في شأن مقتل خاشقجي ـــ على حفظ رأس ابن سلمان ومساعدة سلطاته على الخروج من ورطتها. في هذا الإطار، وفي خطوة غير مألوفة، أصدر وزير العدل السعودي وليد الصمعاني، أمس، «تعميماً قضائياً» وصفه بـ«التاريخي»، لـ«تطوير المبادئ الموضوعية عند نظر القضايا والحكم فيها»، ينصّ على «وجوب أن يسبق تقريرَ العقوبة ثبوتُ إدانة المتهم»، وألا تشكل الشبهة أو التهمة أساساً للإدانة. وأشار الصمعاني، في بيان، إلى أن قراره يهدف إلى «الحدّ من التوسع في الاجتهاد المبني على القرائن الضعيفة»، و«الموازنة بين مؤاخذة المدان وإخلاء سبيل مَن لم تثبت إدانته». وهو ما أثار سخرية معارضين، استهجنوا صدور مثل هذا القرار في وقت يُحتجز فيه ناشطون وناشطات بتهمة «العمالة والخيانة»، منذ اليوم الأول لـ«اعتقالهم التعسفي».