مع تزايد حجم الغضب الشعبي، واتساع رقعة المعارضة السياسية، يصر الرئيس السوداني، عمر البشير، على إلباس «احتجاجات الخبز»، المندلعة منذ الـ19 من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، إثر الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي أقر بها في أكثر من مناسبة، ثوب المؤامرة الخارجية. خرج البشير أمس، متهماً المحتجين، بأنهم يتلقون «تعليمات من مخابرات وسفارات»، من دون تسميتها، بعد أيام على تلميحه إلى أن «أطرافاً خارجية» (لم يحددها أيضاً)، تحاول «تركيع السودان»، وما سبقه من اتهام «صادم»، وجهه مدير جهاز الأمن والمخابرات، صلاح قوش، إلى المتظاهرين، بأنهم «تربطهم صلات بإسرائيل». لكن هذه المرة، وضع البشير السودان «على رأس قائمة من 7 دول عربية، يتم السعي إلى تدميرها، هي مصر، سوريا، تونس، العراق، اليمن، وليبيا»، كما قال، أمس، في خطاب أمام الاتحادات العمالية والمهنية والمتقاعدين ورابطة المرأة العاملة، بمناسبة احتفالات البلاد بأعياد الاستقلال (63)، في الخرطوم. لكن ليس في كلامه ما يشير إلى الجهة التي تسعى إلى تدمير تلك الدول، التي تتضمن اليمن، حيث زجّ آلافاً من الجنود منذ ما يقارب الأربعة أعوام، للمشاركة في العدوان الذي تسبب في تدمير البنية التحتية، ومؤسسات البلد الأفقر بين جميع البلدان العربية. لم يمنعه ذلك، من تبرير الأزمة الاقتصادية في بلاده، بالحصار المفروض عليها، مشيراً إلى أنها «في قائمة الدول الراعية للإرهاب، من دون تسجيل حالة واحدة للإرهاب».
دعا «تجمع المهنيين» إلى تظاهرات حاشدة اليوم في جمعة «التغيير والحرية»


وبعد ساعات من خطاب البشير، أمس، عمدت قوات الأمن، على تفريق تظاهرة تجددت في مدينة بورتسودان، شارك فيها أكثر من 200 شخص، في محاولة لتسليم مذكرة مناهضة للحكومة في المقر المحلي للحزب الحاكم في المدينة. كذلك اعتقلت بعض المحتجين وشخصيات معارضة، في حين يستعد الشارع إلى جولة جديدة من التظاهرات المتفرقة، المطالبة بإسقاط النظام، في كل مدن السودان. فالمحتجون اليوم، على موعد مع جمعة «التغيير والحرية»، كما أطلق عليها «تجمع المهنيين السودانيين» المستقل (انضمت إليه قوى «نداء السودان»، وقوى «الإجماع الوطني»، و«التجمع الاتحادي» المعارض)، على غرار «جمعة الشهداء»، الأسبوع الماضي، حين حاصرت قوات الأمن المساجد بعشرات من العربات العسكرية، لمنع المصلين من التجمهر للانطلاق في تظاهرات عقب الصلاة. أما يوم الأحد المقبل، فيعتزم «تجمع المهنيين» وشركاؤه، تسيير موكب ثالث لتسليم مذكرة للقصر الرئاسي، بعدما عمدت قوات الأمن، على منع المحتجين من الدخول إلى الشوارع المؤدية إلى القصر باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي. وإلى يوم الأربعاء من الأسبوع نفسه، يتوجه المتظاهرون نحو البرلمان في أم درمان، لتسليم مذكرة تُطالب برحيل الحكومة الحالية، التي يدرس حزب «المؤتمر الشعبي»، الانسحاب منها، بحسب ما أعلن القيادي في الحزب، كمال عمر، أول من أمس، في تصريحات صحافية، أكد فيها أنه يؤيد الاحتجاج والتظاهر السلمي، وأنه ضد قتل المتظاهرين، معتبراً أن «الحوار الوطني مات وشبع موت». كما قدّم رئيس حزب «الشرق للعدالة والتنمية»، المشارك في الحكومة، عبد القادر إبراهيم علي محمد، استقالته من منصبه كعضو في مجلس الولايات، لرئيس الجمهورية، بواسطة رئيس المجلس، بعد ثلاثة أيام على انسحاب ممثلي حركة «الإصلاح الآن» من البرلمان والمجالس التشريعية، تزامناً مع انسحاب 22 حزباً، من الحكومة والبرلمان (معظمهم شاركوا في «الحوار الوطني»)، وتقديمهم مذكرة للرئيس البشير، تطالب بحل الحكومة وتشكيل مجلس سيادة انتقالي يقوم بتولي أعمال السيادة، وحل المجلس الوطني، ومجلس الولايات.
بين الإفراط في استخدام القوة والاتهامات بالتخوين، من جهة، ومحاولة تبرير الأزمة الاقتصادية بالحصار، من جهة أخرى، يسعى البشير إلى تخفيف حدة الاحتقان في الشارع، من خلال الإعلان عن حزمة من الإجراءات لتحسين الوضع الاجتماعي في البلاد. إذ يعدُ بتطبيق زيادة الأجور الشهر الجاري بهدف الوصول إلى أجر يساوي تكلفة المعيشة، وتحسين عمل الحكومة في مختلف المجالات، كالتعليم والصحة والنقل والسكن وغيره. وبحسب توقع قيادي في حزب «المؤتمر الوطني» قد تصل الإجراءات إلى «تعديل وزاري محدود، يشمل 4 وزارات، منها وزارة المالية، بتعيين وزير بديل لمعتز موسى» الذي يشغل أيضاً منصب رئيس الوزراء، لكن ذلك، يبقى بعيداً عن أي حل ممكن، كون سقف مطالب المحتجين وقوى المعارضة، يبدأ بتأمين الخبز والوقود والسيولة، وينتهي بإسقاط النظام.