انتهت الجزائر من عملية ترحيل كل اللاجئين العرب الذين دخلوا حدودها الجنوبية بطرق غير شرعية. وشمل الترحيل إلى دولة النيجر أكثر من مائة لاجئ ينتمون إلى جنسيات سورية وفلسطينية ويمنية. وأرجع مصدر حكومي جزائري، في حديث إلى «الأخبار»، تنفيذ قرار ترحيل اللاجئين المحتجزين في مركز «تمنراست» (2000 كيلومتر جنوب العاصمة) إلى أسباب «تتعلّق بالأمن الوطني» للبلاد، بعد ورود معلومات عن انتماء عدد منهم إلى تنظيمات تصنّفها الجزائر على أنها إرهابية، على غرار «داعش» و«جبهة النصرة» و«الجيش السوري الحر». وأشار المصدر إلى أن علامات استفهام كثيرة تحوم حول هؤلاء اللاجئين، بسبب غرابة المسلك الذي اتخذوه من بلدانهم وصولاً إلى الجزائر، مبيّناً أن السوريين على سبيل المثال دخلوا من تركيا، ومرّوا على مصر، ثم السودان، قبل أن يصلوا إلى موريتانيا، وينتهوا أخيراً إلى شمال مالي، حيث الحدود مع الجزائر، مشيراً إلى أنهم كانوا يتحركون في شمال مالي بحرية، هو ما عزّز الشكوك في كون جماعات إرهابية ترافقهم في هذه الرحلة، وتقوم بتأطيرهم. أما الفلسطينيون الموجودون ضمن المجموعة، فإن ترحيلهم جاء ـــ وفقاً للمسؤول نفسه ـــ لدواعٍ تتعلّق بـ«عدم رغبة الجزائر في نقل الصراع الفلسطيني - الفلسطيني إلى أراضيها، بعد اكتشاف عناصر من فصائل فلسطينية ضمن اللاجئين إلى تمنراست». ولفت إلى أن «هذا الموضوع في غاية الحساسية بالنسبة للجزائر، التي تربطها علاقات خاصة مع الشعب الفلسطيني، وتفتح حدودها دائماً أمام الفلسطينيين».

وكانت «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان» أفادت، في وقت سابق، بأن نحو 50 مهاجراً، أغلبهم من السوريين المحتجزين في مركز «تمنراست» للإيواء، تم ترحيلهم إلى النيجر يومي 25 و26 كانون الأول/ ديسمبر 2018، بإشراف من الهلال الأحمر الجزائري. وأوضحت الرابطة أن «المجموعة تضمّ فلسطينيين ويمنيين، وكذلك عدداً من الأطفال والنساء، من بينهم امرأة حامل في شهرها التاسع، كانت محتجزة في مركز تمنراست». ونقلت عن أحد السوريين قوله إن «المجموعة على الحدود مع النيجر تعاني من البرد والجوع من دون أي مساعدة، وقد فُقد فرد منها وهو يواصل السير وحده». ووفق معلومات المنظمات الحقوقية، فإن الرعايا السوريين دخلوا الجزائر قبل ثلاثة أشهر عبر الحدود المالية، واقتربوا من المصالح الأمنية طالبين الحماية، بحسب شهاداتهم. وقد تمّ وضعهم في مركز الاحتجاز، بعد إدانتهم من قِبَل المحكمة بثلاثة أشهر سجناً غير نافذة، بتهمة «الدخول غير الشرعي في التراب الوطني». وعلى رغم أن ممثلاً عن المفوضية السامية لحقوق اللاجئين قام بزيارتهم في المركز نفسه، إلا أن ذلك لم يغير من وضعهم شيئاً.

يتخوف حقوقيون من أن يكون في نية السلطات إغلاق الأبواب أمام اللاجئين


وتتعرّض الجزائر، منذ قرار ترحيلها «لاجئي تمنراست»، لانتقادات حقوقية وسياسية لاذعة. وفي هذا الإطار، شكّكت المرشحة الرئاسية السابقة، لويزة حنون، في دوافع ترحيل اللاجئين العرب، معتبرة أن السلطات الجزائرية مطالَبة بالتكفّل بهم، لأنهم فارّون من مناطق حروب ونزاع. وأبدى حقوقيون جزائريون، من جهتهم، ارتيابهم إزاء الرواية الرسمية حول وجود إرهابيين ضمن المهاجرين المرحَّلين، مشددين على أن هذا الاحتمال يقتضي محاكمة الإرهابيين، وليس ترحيلهم من البلاد، على اعتبار أن الإرهاب يُعدّ جريمة دولية. وانطلاقاً من ذلك، أعرب الحقوقيون عن مخاوفهم من أن تكون ورقة الإرهاب ذريعة فقط تستعملها السلطات الجزائرية لغلق الأبواب أمام اللاجئين العرب.
وتبدي الجزائر حساسية أمنية كبيرة إزاء احتمال عودة المقاتلين الأجانب إلى أراضيها. وتفيد تقارير إعلامية، في هذا الإطار، بأن الأجهزة الاستخباراتية والأمنية تترصّد عن كثب كل الداخلين إلى الأراضي الجزائرية بطرق غير مشروعة، ضمن قوافل الهجرة المتدفّقة على البلاد منذ نحو 4 سنوات، بسبب الحرب في منطقة الساحل. وقد كان لافتاً، بالنسبة إلى السلطات، في الأسابيع الأخيرة، وجود أكثر من 100 لاجئ عربي ينتمون إلى جنسيات سورية وفلسطينية ويمنية في مدينة تمنراست، في أقصى الجنوب الجزائري على الحدود مع النيجر. وهو ما طرح لديها تساؤلات حول سبب انتهاج اللاجئين العرب لهذا المسلك، الذي كان مقتصراً في السابق على الأفارقة، وعن طبيعة الشبكات التي تقوم بتهريبهم إلى الجزائر. لكن السلطات الجزائرية تعاملت بصمت شديد مع القضية، ورفضت الاستجابة لنداءات حقوقية بمنح هؤلاء حق الإقامة.
والمعروف أن السلطات الجزائرية، رفضت منذ بداية الأحداث في سوريا، التعامل مع أي تنظيمات مسلحة هناك، وأبقت على علاقتها حصرياً مع سلطات البلاد، بل إن الجزائر أبدت مساندتها للحكومة السورية في «الحرب على الإرهاب»، واقترحت عليها استنساخ تجربة المصالحة الوطنية الجزائرية. كذلك، لم تنقطع رسائل التهنئة البروتوكولية بين الرئيسين عبد العزيز بو تفليقة وبشار الأسد، كما لم تتوقف الزيارات على خطّ دمشق ـــ الجزائر خلال فترة الحرب. وقد تُوّج هذا التواصل بزيارة وزير الخارجية، عبد القادر مساهل، إلى دمشق قبل 3 سنوات، في وقت كان الحصار الدولي مشتداً على سوريا.