القاهرة | ضجّة كبيرة سبقت ورافقت عرض قناة «CBS» الأميركية المقابلة المسجّلة مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على هامش زيارته في أيلول/سبتمبر الماضي لمدينة نيويورك، للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. المقابلة، التي أُجريت ضمن برنامج «60 دقيقة»، لم تُذَع منذ ذلك التاريخ، وكانت الرئاسة المصرية قد طلبت من القناة ألّا تعرضها بسبب «تغير الظروف والمعطيات»، علماً بأن الحوار تضمن عدداً من الأسئلة التي تُصنَّف على أنها منطلقة من وجهة نظر معارضة للسيسي كلياً، بل تقريباً لم تكن هناك مداخلة واحدة تدعمه أو تشيد بأيّ من «إنجازاته».

أكثر من ذلك، تنقل مصادر أن السفارة المصرية لدى واشنطن طلبت من «CBS» ألّا تذيع المقابلة، لكن القناة روّجت لها، مضيفة أنّ الدعاية لها انطباعاً بوصفها «مقابلة لا يرغب النظام في أن يشاهدها الناس»، وهو ما ترى فيه أوساط مصرية رسمية «توصيفاً غير دقيق استغله المعارضون». مع ذلك، لم يخرج الحوار في مجمله عن محاور متكررة اعتاد السيسي الحديث عنها في لقاءات سابقة مع وسائل إعلام أجنبية وعربية، مثل موقفه من فضّ اعتصام رابعة وعزل محمد مرسي وغيرها من الأحداث التي تبعت «30 يونيو»، والتقارير الحقوقية بشأن القتلى والسجناء الذين يقول دائماً إنهم محبوسون وفق القانون وليسوا حالات اعتقال سياسي.
لكن النقطة الأهم في المقابلة كانت بشأن العدو الإسرائيلي، ليس في حديثه عن أن التنسيق الأمني بين الجانبين في أفضل حالاته، لأن هذا الأمر معروف ضمناً، وإن كان يُصرَّح به للمرة الأولى بهذه الطريقة، ولكن في إعلانه أن القوات الجوية المصرية تستخدم أجواء فلسطين المحتلة بتنسيق إسرائيلي لـ«مكافحة الإرهاب»، في اعتراف يُعلن للمرة الأولى من الرئيس الذي يشغل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما يعني أن الحديث عن استعمال العدو الأجواء المصرية في طلعاته الحربية وارد، بل ممكن جداً.

اعترف السيسي بأنّ قواته الجوية تستخدم أجواء فلسطين بتنسيق إسرائيلي


هذه القضية تحديداً كانت السبب، وفق المصادر نفسها، في طلب ألّا يُبثّ الحوار بعد إرجاء عرضه أكثر من ثلاثة أشهر. إذ ترى القاهرة أن الظروف إقليمياً تغيرت، وحتى إسرائيلياً، حيث تخشى الرئاسة من أن يُستغلّ هذا التصريح في المنافسة بين الأحزاب اليمينية، وتحديداً بين رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ووزير الأمن أفيغدور ليبرمان. وتضيف المصادر أن القاهرة تخشى استغلال ليبرمان هذه النقطة في الصراع مع نتنياهو، خاصة أنها ترى في الوزير المستقيل «شخصاً غير راغب في اتخاذ أي خطوات بشأن عملية السلام، وينوي أن يلجأ إلى القوة المفرطة».
ويبدو أن المُحاوِر أغفل سؤال السيسي عن إمكانية السماح لإسرائيل بتنفيذ غارات مشابهة من أجوائها على غزة أو ضمن عمليات «مكافحة الإرهاب» شمالي سيناء، التي زادت قوتها منذ شباط/فبراير الماضي بعد إطلاق العملية الكبيرة «سيناء 2018»، وشملت عمليات متعددة أدت إلى تهجير المسيحين كلياً وتدمير مدن بكاملها، مع استمرار فرض حالة الطوارئ.
وكانت السفارة المصرية في الولايات المتحدة قد احتجت بأن عملية التواصل لإجراء الحوار بدأت مع السفارة في البداية، كأن ذلك يعطيها الحق بطلب منع البث. ويشار هنا إلى أن السيسي أجاب عن جميع الأسئلة، فيما لم يطلب مكتبه الاطلاع عليها مسبقاً، وهو ما يدل على تقصير رسمي في المتابعة. واللافت أن الرئاسة (قبل بثّ المقابلة) عرضت استضافة فريق العمل في مصر لإجراء مقابلة بديلة «تراعي المتغيرات الحالية على الساحة السياسية».
تقول المصادر إن السيسي يأمل حالياً، على رغم ما حدث، «أن تكون الحكومة الإسرائيلية المقبلة أكثر قدرة على التعامل مع حل الدولتين، والدخول في مفاوضات جدية برعاية أميركية، خاصة أن ضغوط ليبرمان منذ دخوله الحكومة في 2016 كانت سبباً رئيسياً في تعطل المفاوضات كلياً».