عمّان | تمكن الاستعاضة عن قصة إبريق الزيت الشهيرة في الموروث الشعبي بقصة اتفاقية الغاز بين الأردن وإسرائيل. هكذا وقّعت حكومة عبد الله النسور، وهي الحكومة الأطول في المملكة منذ اندلاع الاحتجاجات في كانون الثاني/يناير 2011، اتفاقية لاستيراد الغاز من العدو، من طريق «شركة الكهرباء الوطنية» (المملوكة بالكامل للحكومة) لـ15 عاماً، مقابل 10 مليارات دولار أميركي. المحيّر في هذه الاتفاقية، السرية التي أحيطت بها، ورفض الكشف عن بنودها، ومماطلة الحكومة ثم مجلس النواب في عرضها. لكن بعد مذكرات نيابية متتالية، وصلت أخيراً نسخة عنها إلى «لجنة الطاقة» في البرلمان.

وبينما تمثّل شركة «نوبل إنيرجي» الأميركية طرفاً شريكاً، بوصفها تملك حق استخراج الغاز من حقل «ليفاياثان» قبالة سواحل حيفا المحتلة (تملك نحو 40% من الحقل، فيما تملك ثلاث شركات إسرائيلية ما بقي)، تشرف على مدّ الأنابيب شركة «فجر الأردنية ــــ المصرية لنقل الغاز الطبيعي وتوريده»، علماً أن عمّان استملكت واستأجرت منذ 2017 عدداً من الأراضي التي تمرّ فيها الأنابيب، خاصة الواقعة قريباً من الحدود السورية. والمريب في مجمل الاتفاق، ما يبدو «توريطاً» للأردن فيه، بل جرّه بضغوط أميركية لاستيراد غاز ليس بحاجة إليه، بدلالة حديث الحكومة نفسها (وفق تصريحات وزير الطاقة هالة زواتي) عن فائض في القدرة التوليدية للكهرباء.
على أيّ حال، وصلت الاتفاقية الخميس الماضي إلى البرلمان، حيث قال رئيس «لجنة الطاقة»، هيثم زيادين، إنه حصل عليها بطريقة غير رسمية. ولدى سؤال «الأخبار» عن السبب، شرح قائلاً إن «الأمانة العامة للمجلس يجب أن تحوّل الاتفاقات ومشاريع القوانين وغيرها من القضايا إلى اللجان المختصة لأخذ الرأي، لكن جراء المذكرات النيابية وصلت النسخة الإنكليزية والعربية من الاتفاقية إلى رئيس اللجنة مباشرة وليس من الأمانة العامة». وأضاف زيادين أنه عُقد اجتماعٌ للجنة بحضور أعضائها ونواب آخرين لمناقشة الاتفاقية بالمبدأ وليس فحواها، وذلك في جلسة علنية، ثم تقرّر تسليمها للأمانة العامة لنقاشها. وأعلن أنه يقف ضد هذه الاتفاقية، لكنه الآن مع مناقشتها في المجلس، مشيراً إلى أن نصوصها قانونية بحتة، وهو مهندس ولا يستطيع إبداء رأيه فيها.

إذا أرادت المملكة فسخ الاتفاقية، فإن الشرط الجزائي 1.5 مليار دولار


أما النائب حازم المجالي، وهو عضو أيضاً في اللجنة نفسها، فقال لـ«الأخبار» إنه يرفض هذه الاتفاقية، مؤكداً أن هناك بدائل «حتى لو كانت أغلى ثمناً من بلدان عربية وأخرى صديقة». وأضاف المجالي، الذي علّق على سيارته ملصقاً يحمل عبارة «غاز العدو احتلال»، أن «الأردن في غنى عن الغاز الفلسطيني المسروق». كذلك، قال النائب قيس زيادين، وهو محامٍ وعضو في «لجنة الطاقة»، إن النسخة الوحيدة من الاتفاقية سُلّمت للأمانة العامة للمجلس، ولا توجد نسخ أخرى، مشيراً إلى أن من حضروا الاجتماع لم يُزوّدوا بنسخ عنها. يُشار إلى أن الطرف الموقع رسمياً هو شركة الكهرباء التي تعاني خسائر خيالية تصل إلى أكثر من 20 ضعف رأسمالها المكتتبة به. وفي قانون الشركات، يجب أن يكون الوضع القانوني في هذه الحالة لـ«الكهرباء الوطنية» هو «التصفية الإجبارية»، خاصة أن خسائرها في 2015 قُدِّرت بما يزيد على 5.5 مليارات دولار. والضامن لهذه الشركة الخاسرة هو الحكومة، ما يعني أن أي تعثر في الدفع أو خصومة مع الطرف الإسرائيلي سيُحتكم فيه إلى القانون الدولي. وسبق أن أوضح نواب أن الاتفاقية تحتكم إلى القانون البريطاني على نحو ينتهك السيادة. وعن الخطوات المقبلة، قال زيادين إنه بعد الحراك النيابي يمكن التوجه إلى المحكمة الدستورية، ولا سيما أن الفقرة الثانية من المادة 33 من الدستور تنص على أن «الاتفاقات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئاً من النفقات أو مساس في حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة، ولا يجوز في أي حال أن تكون الشروط السرية في معاهدة أو اتفاق ما مناقضة للشروط العلنية». أيضاً، نفى النائب خالد رمضان، في حديث إلى «الأخبار»، حصوله على نسخة من الاتفاقية، مشدداً على أنها «اتفاقية غير دستورية»، علماً أنه كان من النواب الذين قدموا مذكرة تطالب الحكومة بتزويد المجلس بنسخة. في المقابل، رأى رئيس مجلس النواب، عاطف الطراونة، أنْ ليس من حق «لجنة الطاقة» الإملاء على المجلس، وطالبها بأن تكتب توصيات «ثم يجري اتخاذ القرار».
وسط هذا الجدال، لا شك في أن جوهر اتفاقية الغاز سياسي وليس مطلباً حيوياً للأردن، إذ تبدو الطريقة الملغومة التي تنتهجها الدولة في التعامل معها غير مفهومة، خصوصاً أن المملكة مطبّعة رسمياً مع إسرائيل، والعلاقات السياسية والاقتصادية والتنسيق الأمني والدبلوماسي بينهما مكشوفة. لذلك، توحي المماطلة وتجنّب طرح الاتفاقية على الرأي العام كل هذه المدة بأنها إما خطيرة على سيادة البلد الحائر أمام تسريبات «صفقة القرن» ومستقبله، وإما أنه يوجد سوء إدارة حكومية ألقى بعمّان في مصيدة إسرائيلية تتحكم بها تل أبيب في قطاعات عدة، منها الطاقة. في كلا السيناريوين، ستصير المملكة معلقة من عرقوبها في وقت يعيش فيه أهل الأردن ظروفاً اقتصادية صعبة، والآن يُطلب منهم أن يدفعوا 10 مليارات دولار ثمن هذا الغاز، أو 1.5 مليار لفسخ الاتفاقية، كما قالت الوزير زواتي.
هكذا، وفي أقل تقدير، استخدم العدو الأردن كممر إجباري لشبكة تصدير الغاز الإسرائيلي شرقاً وشمالاً، بل أحكم خطته التسويقية لهذا الغاز بإبرام اتفاقية مشابهة مع مصر في المدة نفسها. وبذلك، تكون عمّان والقاهرة، اللتان تحتكمان لمعاهدات سلام مع تل أبيب، تدفعان ثمن استخراج الثروة الإسرائيلية المنهوبة من البحر المتوسط وتوزيعها.



أين أصبح الحراك الشعبي؟
قالت «الحملة الوطنية لإسقاط اتفاقية الغاز مع العدو الصهيوني» إنها رفضت الاتفاقية منذ كانت مذكرة تفاهم عام 2014، أولاً من حيث المبدأ، وثانياً رفضاً لمعاهدة وادي عربة ومناهضةً للتطبيع، وفق عضو الحملة محمد العبسي. يقول العبسي إنه حتى اقتصادياً وعلمياً الاتفاقية مرفوضة بالاستناد إلى أرقام وإحصاءات قدمتها الحكومة الأردنية، خاصة مع وجود بدائل عربية طرحت نفسها عندما شَكَت عمّان انقطاع الغاز المصري، كان منها قطر والجزائر، إذ قدّمت الأخيرة عرضاً بسعر تفضيلي بشرط ألّا توقع المملكة اتفاقية استيراد من إسرائيل. ويضيف، في حديث إلى «الأخبار»، أن حالة الرفض الآن تواجه صعوبات كبيرة جراء انتهاء الأردن من الأعمال الإنشائية بنسبة 70%-80%، بل «ستكون بداية الضخ التجريبي للغاز الصهيوني في الربع الأخير من العام» الجاري.
أما عن الصحوة المتأخرة لمجلس النواب، فيقول عضو الحملة إنهم حمّلوا المجلس المسؤولية مرتين: الأولى كانت بسبب تغييب دوره التشريعي والرقابي على الحكومة، والثانية حين صوّت المجلس الثامن عشر (الحالي) بأغلبيته على تجنب مناقشة الاتفاقية، في «انتهازية وتواطؤ لتمرير الموضوع باستثناء بعض النواب». ويشير العبسي إلى أن المجلس السابع عشر سبق أن صوّت ضد الاتفاقية، لكن الحكومة وقّعتها في ما بين انتخاب المجلسين. ويقول: «الحملة خاطبت مرتين هيئة النزاهة ومكافحة الفساد لوجود شبهات فساد في الاتفاقية، ولدينا أدلتنا».