يخوض المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، جولة مباحثات صعبة، من أجل الدفع باتفاقات السويد قدماً، في ظلّ الجمود الذي ضربها، بفعل إصرار الطرف الموالي للرياض على تنفيذها وفق ما يلائم أجندته. حتى مساء أمس، بدا أن الأفق مسدود أمام غريفيث، وهو ما انعكس أيضاً في الحديدة، حيث أُفشل استئناف الاجتماعات الخاصة بـ«لجنة إعادة الانتشار». إفشال جاء ترجمة لتصعيد سعودي ـــ إماراتي واضح، يُفترض بالجولة الشرق ـــ أوسطية التي بدأها أمس وزير خارجية الولايات المتحدة مايك بومبيو من الأردن، أن تبيّن مآلاته.

والتقى غريفيث، أمس، في الرياض، الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي، بعدما كان قد أجرى مباحثات يومَي السبت والأحد في العاصمة صنعاء. وأعلن مدير مكتب هادي، عبد الله العليمي، عقب اللقاء، استعداد حكومته لـ«فتح كافة المنافذ الإنسانية». لكن هذا الاستعداد يربطه الطرف الموالي للسعودية بتنفيذ «إعادة الانتشار» في الحديدة على هواه، على نحو يخرج المدينة كلياً من تحت سيطرة «أنصار الله»، أي انتزاعها بالسلم بدلاً من الحرب. وهو ما أعاد المطالبة به، أمس، وزير الخارجية في حكومة هادي، خالد اليماني، خلال لقائه سفراء الدول الـ18، حيث أشار إلى أن «مسؤولية الأمن في الموانئ ومدينة الحديدة تقع على عاتق قوات الأمن المحلية». اللافت أن اليماني ربط المشاركة في أي جولة تفاوضية مقبلة بـ«تنفيذ اتفاق الحديدة على الأرض». اشتراط يبدو متناقضاً مع قرار مجلس الأمن 2451 الذي دعا الطرفين إلى التزام مواصلة مشاورات السلام من دون عراقيل، وكذلك مع مساعي غريفيث إلى عقد جولة جديدة قد تستضيفها الكويت بمعزل عن مسار تنفيذ اتفاقات السويد.
لكن «التحالف» والحكومة الموالية له لا يريدان ـــ على ما يظهر ــــ الانتقال إلى مرحلة جديدة من دون أن يستنفدا محاولاتهما لاستثمار المسار التنفيذي لتفاهمات استوكهولم في انتزاع مكاسب لم تمنحهم إياها المشاورات نفسها، إذ لو صحّ ذلك لكان استسلاماً واضحاً من قِبَل «أنصار الله»، وهو ما لم تكن الحركة في وارده أبداً. وما يؤكد الانطباع المتقدم، التصريح الأخير لوزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، الذي رأى فيه أن «من الضروري التنفيذ الكامل للانسحاب من ميناء ومدينة الحديدة للاستمرار في المرحلة القادمة من العملية السياسية». تصعيدٌ واكبته السعودية أيضاً، باتهامها «أنصار الله» بـ«التلكؤ والالتفاف على اتفاقيات استوكهولم» وفق البيان الصادر عن اجتماع مجلس الوزراء السعودي أمس.
هذه النبرة الهجومية سرعان ما انعكست على الأرض في مدينة الحديدة، حيث كان يفترض أن تنطلق أمس الجولة الثالثة من اجتماعات «لجنة تنسيق إعادة الانتشار» التي يرأسها الجنرال الهولندي باتريك كاميرت. لكن إصرار الطرف الموالي للرياض على استئناف الاجتماعات في منطقة «محتلة» في محيط مدينة الحديدة، لا داخل المدينة الخاضعة لسيطرة قوات حكومة الإنقاذ، حال دون مشاركة ممثلي «أنصار الله» الذي سيجتمع بهم كاميرت منفردين صباح اليوم. وقال نائب وزير خارجية حكومة الإنقاذ حسين العزي، إن «شرف ممثلينا العسكري وأخلاقهم تأبى الاجتماع في مبنى لمواطن يمني نهبه جنجويد السودان والإمارات»، مشيراً إلى أن «شروط الطرف الآخر تكشف عن نيات مبيتة لعرقلة عمل اللجنة وإفشال اتفاق استوكهولم». تقدير لا يبدو بعيداً من الواقع، في ظل تعمّد الجانب الإماراتي وضع العصيّ في دواليب اتفاقات السويد، وتضعضع موقف الجانب السعودي الذي يظهر حائراً بين خيارَي وقف الحرب والمضيّ فيها، وإصرار «الشرعية» على إدامة العدوان طمعاً باستعادة سلطة باتت مستحيلة. في خضمّ ذلك، يسود الترقب للموقف الأميركي الذي يفترض أن تكشف عنه جولة بومبيو المنتظرة على العواصم المعنية، وما إذا كان سينحو نحو ترجمة الدعوة إلى إنهاء الأزمة في اليمن، أو توليد جولة جديدة من القتال.