القاهرة | تعرض للتهجير العشرات من الأقباط المسيحيين في قرية الزعفرانة في المنيا، في صعيد مصر، على أيدي مسلمي القرية قبل أيام، وذلك في خطوة عكست استمرار غياب الوجود الأمني الذي يجب أن يضمن أحقية المسيحيين بالبقاء في منازلهم ومحاسبة مرتكبي المخالفات على قدر المخالفة المرتكبة. ومجدداً تغيب أجهزة الدولة كافة، ويصدر الأمر بتجنب مناقشة الأمر إعلامياً أو حتى الحديث عنه على المستوى السياسي، في خطوة عكست رؤية جديدة للتعامل مع الأحداث الطائفية، ربما لم تطبق من قبل. أما بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية، تواضروس الثاني، فلزم الصمت الكامل، بل أجبر عدداً من القساوسة على فعل المثل، وإن كان بصورة غير رسمية، في وقت اكتفت فيه الكنيسة بمتابعة شؤون المهجرين مع وعد بعودتهم خلال الأيام المقبلة.

القضية تعود إلى الأسبوع الماضي عندما حوّل عدد من الأقباط المكان الذي يصلون فيه إلى ما يشبه الكنيسة وبنوا قبة له، وهو ما رفضه عدد من أبناء القرية الصغيرة، معلنين أنهم لن يسمحوا ببناء كنيسة، ثم منعوا المسيحيين من الصلاة في المنزل الصغير الذي يؤدون فيه هذه الشعيرة منذ سنوات، علماً بأن أقرب كنيسة إليهم تبعد كيلومترات عدة، وهو ما جعل مطرانية المنيا ترى البيت أشبه بالكنيسة، لكن دون قبة أو أجراس، في وضع مؤقت يشبه عشرات الأماكن التي يُصلّى فيها بالطريقة نفسها، خاصة في المنيا وأسيوط.
مع توسيع المكان في ظل زيادة أعداد المسيحيين، رفض عدد من أبناء القرية ذلك، رغم أنه لم يدخل حيز التنفيذ، ثم تحرش المعترضون بالمصلين في عيد الميلاد إلى أن حاصروهم الجمعة الماضية وأجبروهم على الرحيل من الزعفرانة. وبعدما احتشد أكثر من ألف شخص، طلب الأمن من رجال الكنيسة مغادرة المكان «تجنباً لمذبحة». فوق هذا، يقول شهود إن المهجرين تعرضوا خلال مغادرتهم للسبّ في وقت لم تحرر فيه الأجهزة الأمنية محضراً رسمياً كما يفترض، وفضلت تسوية القضية ودياً بجلسات عرفية لإقناع كبار العائلات المسلمة بحق المسيحيين في العودة إلى منازلهم مقابل ألا يتوسع المنزل المصلّى، لكن دون نتيجة بعد.

رغم ما حدث لم تجتمع «لجنة مواجهة العنف الطائفي» الجديدة


ويُلاحظ أن هذه «المفاوضات» تقوم بالأساس على تجاهل رجال الكنيسة ما تعرضوا له من إساءات واعتداءات وصلت إلى حد إلقاء الحجارة عليهم خلال رحيلهم مع الأهالي، والمطالبة بتجنب محاسبة أي شخص من المسلمين أمام القضاء، في صفقة ترى فيها القيادات الأمنية الحل الوحيد لإنهاء الاحتقان، مع وعد للأقباط بدراسة بناء كنيسة خارج حدود القرية قريباً، وبحث تخصيص أرض لهم من أملاك الدولة أو السماح ببنائها على أراضي أحد المسيحيين.
كل ما سبق يعني أن الدولة المصرية لم تفرض هيبتها، لا بالقوة ولا بالتفاوض حتى الآن، بل قررت التعتيم الإعلامي على التفاصيل بالأمر المباشر، ومنعت مطران المنيا من الظهور الإعلامي، وحرمت النواب في البرلمان مناقشة المشكلة أو طرحها، مكتفية بوعود أمنية بأن الوضع سيعود كما كان عليه في أيام، وأن القضية مسألة وقت، لأن «أي مناقشات علنية سيكون لها أثر سلبي». ورغم أن هذه الواقعة أول اختبار حقيقي لـ«لجنة مواجهة العنف الطائفي» التي أسسها الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل نحو أسبوعين، فإن هذه اللجنة لم تجتمع أو تبحث الأمر كأن شيئاً لم يكن، فيما لجأ فيه المسيحيون إلى البابا من أجل اتخاذ موقف تجاه السلوك الأمني، ليقتصر الأمر على إصدار بيان من أبرشية سمالوط دون تعليق رسمي من الكنيسة.
وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها الأقباط للتهجير بهذه الطريقة، لكن اللافت أن الدولة لم تتعامل بحزم يمنع تكرار الموقف، خاصة أن البيت الذي هو سبب المشكلة يأتي ضمن أحد المواقع التي تضمنها طلب القوننة بالصلاة المقدم إلى «لجنة ترخيص الكنائس» التي يترأسها رئيس الحكومة، مصطفى مدبولي، شخصياً، ولا تزال تماطل في توفيق أوضاع مئات دور العبادة المسيحية (راجع: الحكومة تماطل في ترخيص الكنائس... حرصاً على المسيحيين! راجع العدد 3631 في 2018/12/5). ويسمح الترخيص الرسمي للمباني ببناء قبة وأجراس للكنيسة، وهو ما يرفضه عدد كبير في المنيا وأسيوط، وهي المحافظات ذات الكثافة المسيحية التي شهدت عدداً كبيراً من أحداث الفتن الطائفية خلال السنوات الماضية.