الجزائر | تتنوع مقاربات النخبة السياسية في الجزائر إزاء الجيش ودوره المحتمل في الانتخابات الرئاسية، المقررة في نيسان/ أبريل المقبل، خاصة في ظل الغموض التام الذي يطبع الساحة السياسية، بسبب امتناع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، عن توضيح موقفه النهائي من الانتخابات، سواء بالترشح لولاية رئاسية خامسة، أو الانسحاب من الحكم، أو اللجوء إلى خيارات أخرى، من بينها تمديد ولايته. وهو ما فتح باب التكهنات على مصراعيه، وأعاد من جديد الحديث الذي لا يكاد يتوقف عند اقتراب المواعيد الانتخابية، عن دور الجيش الذي يعتبر حالياً المؤسسة الوحيدة القادرة على معادلة كفة الرئاسة، من حيث النفوذ السياسي في البلاد.

بيد أن قيادة الجيش تبدو متجاهلة لكل الدعوات التي تصلها من أجل التدخّل. واتجه أسلوبها إلى الحدة في مخاطبة بعض الضباط السابقين الذين طالبوها بمنع خرق الدستور بمناسبة الرئاسيات، بعد رواج فكرة التمديد في ولاية بوتفليقة، بدل تنظيم الانتخابات. لكن تكرار خطابات وزارة الدفاع، بتلك اللهجة الحادة، حوّل الجيش من رافض للتدخل في السياسة، إلى فاعل سياسي، وجعل العديد من القراءات، تشير إلى أنه «ليس محايداً»، كما يقول في خطاباته، بل «منحازاً» إلى «الخيارات التي سيتبناها الرئيس بوتفليقة».

لم يجد الجيش سنداً في هجومه على الضباط المتقاعدين إلا من حزب الأغلبية


وقد جلب هذا الوضع، انتقادات كبيرة للمؤسسة العسكرية، خاصة من جانب المعارضة، التي رأت في إنذارات الجيش المتكررة حول الرئاسيات، تدخلاً في الشأن السياسي، لا يبعث على الطمأنينة. وقالت الأمينة العامة لحزب «العمال»، والمرشحة السابقة للرئاسيات، لويزة حنون، إن الجيش بات يقحم نفسه بنحو متكرر في النقاش السياسي، وهذا ما يزيد الأمور ضبابية، منتقدة بيانات الجيش التي اعتبرتها غريبة عن المؤسسة العسكرية. من جانبها، قالت الناطقة الرسمية لحركة «مواطنة» (تكتل معارض)، زبيدة عسول، إنه لم يسبق للجيش أن أصدر خطابات بهذا العنف، مشيرةً إلى أن هذا الوضع غير مطمئن تماماً، لأنه يشير إلى تدخل الجيش في السياسة. ونفت الناشطة السياسية، أي علاقة لحركتها بالضباط المتقاعدين، الذين يخوضون في الشأن السياسي، رغم اعترافها بلقاءات جمعت أعضاء في «مواطنة»، مع الجنرال علي غديري، أكثر المقصودين ببيانات الجيش الغاضبة، بعد كتاباته المتكررة في الصحف الجزائرية، عن تصوره للمخرج من الأزمة السياسية في البلاد، ودعوته رئيس أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، علانية إلى التدخل. أما حزب «التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية»، فقد وصف ردود فعل قيادة الجيش، بالانتقائية. وقال إن هذه الخطابات «لا تساعد على طمأنة المواطنين حول حياد الجيش إزاء كافة القوى السياسية». لم يجد الجيش سنداً في هجومه على الضباط المتقاعدين، إلا من حزب الأغلبية، جبهة «التحرير الوطني»، الذي أكد مسؤوله الحالي، وقوفه في صف الجيش. وقال منسق الهيئة المسيّرة للحزب، معاذ بوشارب، في إشارة إلى الضباط المتقاعدين، إن «هناك أشخاصاً لا يعترفون بفضل الرجل، وهم قلة». وأبرز بوشارب، الذي يرأس الغرفة الأولى من البرلمان كذلك، أن كل من يعمل ضد النظام الجمهوري واحترام التوجه الديموقراطي، سنقف له بالمرصاد. من جانبه، أشار رئيس الحكومة سابقاً، مولود حمروش، الذي توارى مدة طويلة عن الأنظار، في تدخّل لافت له، إلى أن أي تدخّل للجيش في الحكم سيعوق مهمته الأساسية، حسب تجارب كل الدول التي لجأت إلى هذا الخيار. وحذر حمروش الذي يحظى بثقل كبير، ولا يزال يتمتع بأنصار حتى من داخل النظام، من أن «تدخل الجيش قد يهدد انسجام الجيش ووحدته، ويفسد علاقته بالمجتمع، ويضعف من انضباطه وتنظيمه». واللافت أن حمروش كان في السابق من أكثر المتحمسين لقيام الجيش بدور سياسي، خاصة خلال فترة ما قبل رئاسيات عام 2014، التي طالب فيها الجيش برعاية مسار سياسي جديد.
موقف الجيش في الأسابيع الأخيرة، وردوده العنيفة على مطالبيه بالتدخّل، ساهما في تكوين انطباع عام، بأن الرئاسيات ستجري في موعدها خلافاً للأفكار التي رُوِّجَت في الفترة الأخيرة، بخصوص احتمال تأجيل الرئاسيات، بعد تعديل الدستور، وتمديد مدة الولاية الرئاسية. وبعد تلاشي هذا الاحتمال، عادت بقوة فرضية ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة، وهو ما سيتبين رسمياً في الأيام القليلة المقبلة.