لا تظهر احتجاجات السودان أي علامة على إمكانية إخمادها بكل الوسائل التي يتبعها الرئيس عمر البشير حتى الآن، سواء إطلاق آلة القمع والاعتقالات والتخوين والتهديد، أو محاولة تنفيس الغضب الشعبي، بوعود تحسين أداء الحكومة والمعيشة، من دون ترجمتها على الأرض، أو رفع المسؤولية عن النظام، وتحميل واشنطن أسباب الأزمة الاقتصادية كاملة. وفيما يرفع البشير راية التحدي بأنه لن يتنحى، وأن التظاهرات لن تكون سبيلاً لإسقاط الحكومة، داعياً المحتجين إلى اللجوء إلى صناديق الاقتراع آخر العام الحالي، في انتخابات 2020، التي يسعى إلى تجديد ولايته فيها عبر تعديل الدستور، يُبدي منظمو التظاهرات، عزماً أكبر على مواصلة ما بدأوا به عقب قرار رفع أسعار الخبز ثلاثة أضعاف، في ظل أزمة خانقة أدت إلى نقص حاد في المواد الغذائية والوقود والسيولة، حتى «إسقاط النظام».

ومنذ بدء أسبوع «انتفاضة المدن والقرى والأحياء... حتى إسقاط النظام»، الذي دعا إليه «تجمع المهنيين السودانيين»، الأحد الماضي، حتى يوم أمس، استمرت الاحتجاجات بوتيرة منخفضة، وتارة بتظاهرات ليلية. لكن مدن السودان، على موعد مع تصعيد جديد، اليوم الخميس، تشارك فيه إثنا عشر مدينة، في مواكب جماهيرية مقررة، بحسب ما أعلن التجمع الذي يضم معلمين وأطباء ومهندسين، أمس، بينها موكب في العاصمة الخرطوم، وتحديداً في «شارع القصر» حيث يقع القصر الرئاسي، ليكون الموكب الرابع الذي ينظمه التجمع منذ اندلاع الاحتجاجات في البلاد، في الـ19 من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بهدف تسليم مذكرة للقصر الرئاسي، تطالب الرئيس البشير بالتنحي. لكن تصدي الشرطة وتفريقها المحتجين بالغاز المسيل والرصاص الحي، الذي راح ضحيته ما يقارب الـ40 شخصاً، وفق منظمات حقوقية دولية (24 قتيلاً، وفق آخر الإحصائيات الحكومية)، أفشل تسليم المذكرة في المرات الثلاث السابقة.

ينظم المحتجون موكباً رابعاً اليوم إلى القصر الرئاسي لتسليم البشير مذكرة تطالبه بالتنحي


وفي رابع أيام أسبوع من الحراك، خرجت تظاهرة جديدة مناهضة للحكومة في كسلا، أمس، بعد أيام على تجمع حشده البشير لأنصاره في المدينة لكسب التأييد، علماً أنها التظاهرة الأولى في هذه المدينة، الواقعة في شرق السودان، منذ بدء حركة الاحتجاج. وبينما ردد المحتجون «حرية، عدالة وسلام»، دخلت الشرطة، مطلقة الغاز المسيل للدموع، على المتظاهرين، من دون حديث عن إصابات.
«لم تعد احتجاجات بعد. فهي تقريباً ثورة مكتملة الأركان» يقول المحلل السياسي السوداني محمد عثمان، في حديث إلى وكالة «رويترز»، مشيراً إلى أن نطاق الاحتجاجات لم يسبق له مثيل في البلاد، وأن «دوائر عدة تتجمع ضد نظام البشير من أجل إحداث تغيير جذري». من جهته، رأى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الوطنية في الخرطوم، عبد اللطيف البوني، أن «استمرار الاحتجاجات للأسبوع الرابع، وبصورة متصاعدة يومياً، تجعل الأوضاع مفتوحة على كل الاحتمالات»، مشيراً إلى أن «كل طرف يتمسك بإقصاء الطرف الآخر نهائياً من المسرح السياسي، وهذا قد يقود لوضع خطر على استقرار البلاد». وعلى رغم أن البشير يُحمّل واشنطن مسؤولية الأزمة الاقتصادية جراء العقوبات التي فرضتها عليه منذ عام 1997 حتى عام 2017، يسعى الرئيس إلى تحسين علاقاته مع الولايات المتحدة (ويخطب أيضاً ود روسيا)، بغرض رفع العقوبات والتعاون الأمني. وفي سبيل ذلك، أرسل قوات لدعم العدوان على اليمن، بيد أن السعودية، متباطئة في تقديم المساعدة له، لارتيابها في صلاته بمنافستها الخليجية قطر، وكذلك تركيا التي لديها موطئ قدم في جزيرة سواكن السودانية على البحر الأحمر. لكن الإمارات والبحرين، ذهبتا في اتجاه آخر عن «الشقيقة الكبرى»، إلى دعم البشير بوجه التظاهرات.